مما يلي ناحية باب أسباط فقال كعب: قام سليمان بن داود على هذه الصخرة ثم استقبل بيت المقدس كله. فدعا الله ﷿ بثلاث فأراه تعجيل إجابته في دعوتين، وأرجو أن يستجيب في الثالثة. فقال:«اللهم هَبْ لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي، إنك أنت الوهاب» فأعطاه الله ﷿. وقال:«اللهم هب لي ملكا وحكما يوافق حكمك!» ففعل الله ﷿ ذلك به. ثم قال:«اللهم لا يأتي هذا المسجد أحد يريد الصلاة فيه، إلا أخرجته من خطيئته كيوم ولدته أمه».
هذه نبذة يسيرة من ابتداء وضعه.
وأما ما يتعلق بفتح بيت المقدس في خلافة عمر بن الخطاب ﵁ واستيلاء الفرنج عليه، ثم فتحه على يد الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب؛ وتسليمه إلى الفرنج بعد ذلك في أيام الملك الكامل، ثم استنقاذه منهم بعد ذلك على يد الناصر داود ابن المعظم، فليس هذا موضعه. وسيأتي إن شاء الله تعالى في التاريخ للتلويح بذلك والإشارة إليه. فهناك ذكره أنسب.
ولنذكر الآن ما يتعلق بصفة المسجد الأقصى، وما اشتمل عليه من المزارات، على ما استقر عليه بناؤه إلى سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة.
وقد ألف في ذلك الصاحب تاج الدين أبو الفضائل أحمد بن أمين الملك (١) تأليفًا صغيرًا سماه: «سلسلة العسجد، في صفة الصخرة والمسجد». نقلتُ منه ما يليق بهذا الموضع معتمدا في ذلك على ما حرره بالذراع.
ونبتدئ بذكر الصخرة الشريفة والبناء المحيط بها، فنقول: أما البناء المبارك من وجه الصحن المفروش بالبلاط المصقول، فارتفاعه ثمانية عشر ذراعًا؛ يعلو ذلك كرسي القبة، وارتفاعه عشرة أذرع وربع. ودوره مائة وثلاثة أذرع وثلثا ذراع. في دوره ست عشرة طاقة زجاج مذهبة، بظاهرها شبابيك، وهي مثمنة الأركان. كل تثمينة تسعة
(١) أحمد بن الصاحب امين الدين عبد الله القاضي تاج الدين، أبو الفضائل، كان مستضلعًا بصنعة الحساب، ذكيًا فطنًا عفيفًا، أمينًا، عمل في عدة وظائف في ديوان الإنشاء ونظارة الدولة في مصر والشام، أقام مدة في القدس، وجاور بها، وفيها ألف كتابه «سلسلة العسجد في صفة الصخرة والمسجد» وكتابه هذا في عداد المفقود، عدا ما نقله عنه العمري في هذا الفصل. توفي في أواخر شوال سنة ٧٥٥ هـ. ترجمته في: أعيان العصر ١/ ٢٢٦ - ٢٣٠، الدرر الكامنة ١/ ١٨٩، ومن هنا يبدأ المؤلف بالنقل من هذا الكتاب حتى نهاية صفحة ١٢٤ من المسالك المخطوط.