خليفتي في خلقي، لِمَ أخذته من صاحبه بغير ثمن؟ إنه يبنيه رجل من ولدك. فلما كان سليمان ساوم صاحب الأرض، فقال: هي بقنطار. فقال سليمان: قد استوجبتها: فقال له صاحب الأرض: هي خير أو ذاك؟ قال: لا بل هي خير. قال: فإنه قد بدا لي. قال: أو ليس قد أوجبتها؟ قال: بلى، ولكن البيعين بالخيار ما لم يتفرّقا.
قال [عبد الله](١) بن المبارك، هذا أصل الخيار. فلم يزل يراده، ويقول له مثل قوله الأوّل، حتى استوجبها منه بسبعة قناطير. فبناه سليمان حتى فرغ منه. وتغلّقت أبوابه. فعالجها سليمان أن يفتحها، فلم تنفتح، حتّى قال في دعائه: بصلوات أبي داود إلا تفتحت الأبواب! ففتحت الأبواب.
قال: ففرّغ له سليمان عشرة آلاف من قُرّاء بني إسرائيل: خمسة آلاف بالليل، وخمسة آلاف بالنهار، لا تأتي ساعة من ليل ولا نهار، إلا والله ﷿ يُعبد فيه.
وقال أبو عمرو الشيباني: أوحى الله إلى داود: إنك لن تتمم بناء بيت المقدس. قال: أي ربِّ، ولم؟ قال: لأنك غمرت يدك في الدم. قال: أي ربِّ، أَوَ لَمْ يكن في طاعتك. قال: بلى وإن كان.
وقال كعب (٢): أوحى الله تعالى إلى سليمان أن ابن بيت المقدس. فجمع حكماء الإنس وعفاريت الجنّ وعظماء الشياطين. ثم فرّق الشياطين، فجعل منهم فريقا يبنون، وفريقا يقطعون الصخور، وفريقا يقطعون العُمُد من معادن الرخام، وفريقا يغوصون في البحر فيخرجون منه الدرّ والمرجان. وأخذ في بناء المسجد فلم يثبت البناء. وكان عليه خيْرٌ (٣) بناه داود. فأمر بهدمه. ثم حفر الأرض حتى بلغ الماء. فقال: أسسوا على الماء.
فألقوا فيه الحجارة. وكان الماء يلفظ الحجارة، فاستشار في ذلك، فأشاروا عليه أن يتخذ قلالا من نحاس، ثم يملأها حجارة، ثم يكتب عليها ما على خاتمه من ذكر التوحيد، ثم يلقيها في الماء لتكون أساس البناء. ففعل، فثبت وبني. عمل بيت المقدس عملا لا يوصف، وزينه بالذهب والفضة وألوان الجوهر في سمائه وأرضه وأبوابه وجُدُره. ثم جمع الناس وأخبرهم أنه مسجد لله، وأنه هو الذي أمر ببنائه، وأنه من انتقصه أو شيئًا منه، فقد ضاد الله، وأنه كان قد عهد إلى داود في ذلك، ثم أوصى سليمان بذلك من بعده. ثم اتخذ طعاما وجمع الناس.
(١) ما بين المعقوفتين من هامش الأصل. (٢) فضائل القدس ٧٩ ٨٠. (٣) الحَيْر: بالفتح شبه الحظيرة أو الحمى (انظر: لسان العرب ٥/ ٣٠٨).