للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

باليسير، لا يملك بياتًا مع نسب له في عجل، إلا أنه هدى قومه وما أضل، وقضى يومه في الرشد، وظل لو بصر به السامري لحدّثه عن موسى - صلوات الله عليه - بالأثر المنقول، وقال: قبضت قبضة من أثر الرسول، بل لو رأى هو قريبه أبا دلف العجلي، لم يجعل دالة بالقرى عليه، ولتنحى عن سحابه لئلا يدبّ دلف كرمه الدلفي إليه.

ورد أن مولده بمكة، وما زال ينتقل في البلاد على قدم التجريد والأنس بالله.

قال أبو سعد السمعاني: كان مقرئًا، فاضلًا، كثير التصانيف، حسن السيرة، زاهدًا، متعبدًا، خشن العيش منفردًا، قانعًا باليسير، يُقرئ أكثر أوقاته، ويروي الحديث، وكان يسافر وحده، ويدخل البراري سمع بمكة، والري، ونيسابور، وأصبهان، وطوس، وجرجان، وبغداد والكوفة والبصرة، ودمشق، ومصر.

قال: وكان الشيوخ يُعظمونه، وكان لا ينزل الخوانق، بل يأوي إلى مسجد خراب فإذا عُرف مكانه تركه، وإذا فتح عليه بشيء آثر به.

قال يحيى بن منده في تاريخه: قرأ عليه جماعة، وخرج من أصبهان إلى كرمان وحدث بها، وبها مات. وهو ثقة، ورع، متدين، عارف بالقراءات والروايات، عالم بالآداب، والنحو، أكبر من أن يدلّ عليه مثلي؛ وهو أشهر من الشمس، وأضوأ من القمر، ذو فنون من العلم، مَهيب، منظور، فصيح، حسن الطريقة.

بلغني أنه ولد سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، وله شعر رائق في الزهد.

وقال أبو عبد الله الخلال: لما توجه أبو الفضل من أصبهان إلى كرمان خرج الناسُ يشيعونه، فصرفهم، وقصد الطريق وحده، وقال: [من الطويل]

إِذَا نَحْنُ أَدْلَجْنَا وَأَنْتَ إِمَامُنَا … كَفَى لِمَطَايَانَا بِذِكْرَاكَ حَادِيَا

قال الخلال: وكان في طريق، ومعه خبز وشيء من الفانيذ، فقصده قطاع الطريق، وأرادوا أن يأخذوا ذلك، فدفعهم بعصاه، فقيل له في ذلك، فقال: إنما منعتهم منه؛ لأنه كان حلالًا، وربما كنت لا أجد حلالًا مثله.

ودخل كرمان في هيأة رثة، فحمل إلى الملك، وقالوا: هو جاسوس، فسأله الملك: ما الخبر؟، فقال: إن كنت تسألني عن خبر الأرض فـ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ (١)، وإن كنت تسألني عن خبر السماء فـ ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ (٢) فتعجب الملك من كلامه، وهابه، وأكرمه، وعرض عليه مالًا، فلم يقبله.


(١) سورة الرحمن: الآية ٢٦.
(٢) سورة الرحمن: الآية ٢٩.

<<  <  ج: ص:  >  >>