والذي فهمه الرازي من الروايات الواردة في سبب نزول الآية من أن النبي ﷺ طرد جماعة من المؤمنين طمعًا في إيمان بعض سادات المشركين، مردود من وجهين:
الأول: الروايات الصحيحة الصريحة التي دلت على أن النبي ﷺ لم يطرد أحدًا من المؤمنين، إنما هم بطردهم، أو إبعادهم عن مجلسه، ووقع في نفسه شيئًا من ذلك.
فقد روى مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ ستة نفر، فقال له المشركون: اطرد هؤلاء يجترءون علينا! قال: وكنت أنا وابن مسعود ورجل من هذيل وبلال ورجلان لست أسميهما، فوقع في نفس رسول الله ﷺ ما شاء الله أن يقع، فحدث نفسه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ .. ﴾ الآية (٢).
وروى أحمد في مسنده عن ابن مسعود، قال:"مر الملأ من قريش على رسول الله ﷺ، وعنده خباب، وصهيب، وبلال، وعمار، فقالوا: يا محمد، أرضيت بهؤلاء؟ فنزل فيهم القرآن: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [سورة الأنعام: ٥١]- إلى قوله - ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنعام: ٥٨] "(٣).
وغير ذلك من الروايات الدالة على أن النبي ﷺ لم يطردهم، وإنما هم بطردهم، فنزلت الآيات تنهاه عن ذلك.
الثاني: أن الطرد كما هو معلوم، هو الإبعاد مع الإزعاج على سبيل الاستخفاف، وليس في ظاهر الروايات ما يدل على ذلك (٤).
(١) انظر: مفاتيح الغيب: الرازي (١٢/ ٥٤١). (٢) أخرجه مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب في فضل سعد بن أبي وقاص ﵁، برقم: (٢٤١٣). (٣) أخرجه أحمد في مسنده (٧/ ٩٢) برقم: (٣٩٨٥)، وحسنه محققوه بالشواهد، وأخرج بنحوه ابن أبي حاتم في تفسيره عن ابن عباس (٤/ ١٢٩٦) برقم: (٧٣٢٢)، وأورده ابن كثير في تفسيره (٣/ ٥٣٨). (٤) انظر: عمدة الحفاظ: السمين الحلبي (٢/ ٣٩٧).