للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فنقول: بلى إعدام المعدوم لا يتصور، كما أن إيجاد الموجود لا يتصور، لكن ليس تفسيره هذا؛ فإن الحرمة ما انعدمت، الدليل عليه أن الهتك إن كان لا يتصور منه يتصور من غيره، ولو كان تفسيره إعدام المعدوم لكان لا يتصور الهتك من غيره نائباً، كما لا يتصور منه، ألا ترى أن قتل المقتول كما لا يتصور منه، يتصور ـ أيضاً ـ من غيره؟! وها هنا لما تصور الهتك من غيره عرفنا أن ليس تفسيره ما قلتم، ولكن تفسيره إنما هو ترك التعظيم، وترك التعظيم يتصور في كل زمان، كما أن إنشاء التعظيم يتصور في كل زمان، الدليل عليه: أنه [إذا] (١) صلى صلاة الغداة فإنه يصير تعظيماً لله ـ تعالى ـ، ثم إذا صلى صلاة الظهر يصير ـ أيضاً ـ معظماً لله ـ تعالى ـ، ولم يقل بأن الله ـ تعالى ـ واحد، وأنه معظم، وتعظيم المعظم لا يتصور، ومع هذا يتصور تعظيمه مرة أخرى كذلك هاهنا، ولكن إنشاء التعظيم إنما يكون بإتيان المأمور به، وترك التعظيم/ إنما يكون بترك المأمور به، فلما تصور إنشاء التعظيم بإتيان المأمور به مرة بعد أخرى، فكذلك ترك التعظيم، وإن فسرتموه بإدامة الهتك، فلم قلت بأن إدامة الهتك سبب! ولأن إدامة الهتك ليس إلا إنشاء مثله؛ لأن إدامة الفعل لا يتصور؛ لأن الفعل عرض، والعرض لا يبقى زمانين، فدوامه إنما يكون بحدوث أمثاله، وحكم الشيء حكم مثله، فتعلق وجوب الكفارة بالإدامة، كما يتعلق بالإنسان.

جواب آخر: أنّا لا نسلم لهم أن هتك المهتوك لا يتصور، إلا أنّا لا نسلم لأن الهتك قائم؛ لأن الخلاف فيما إذا كان قد كفر عن الأول؛ فإن بالتكفير قد انجبر الهتك، والنقصان إذا انجبر صار كأن لم يكن، فإذا وطئ بعد ذلك فقد تكرر السبب، فتكرر الحكم، وصار هذا كما قال أبو حنيفة: إذا وطئ في يومين (٢) من رمضان، ولم يكفر عن الأول بكفارة واحدة، وإذا كفر عن الأول وجبت كفارة ثانية (٣)؛ لأن الهتك قد انجبر بالكفارة الأولى كذلك ها هنا ولا فرق.


(١) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٢) في هذا المكان بالأصل تكرار لقوله: (في يومين).
(٣) تقدّم توثيقه.

<<  <   >  >>