للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

والفقه في المسألة أنَّا نقول: معلوم أن الله ـ تعالى ـ قد طبع النفوس على الشح بالأموال بقوله: ﴿وَأُحْضِرَتِ الأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾ (١)، فلو عمل هذا البخيل عمله لمالَ الناس إلى ذلك شرعاً كما يميلون إليه طبعاً، فكان ذلك ذريعة إلى إسقاط عَلَم من أعلام الدين الظاهرة، ومفسدة عظيمة لحرمان الفقراء والأصناف الثمانية ما جعل له من المرفق، وليس للذرائع حسم ومنع إلا بإبطال ما يفضى إليها، ولهذه العلة منعنا القاتل من الإرث حتى لا يتهافت الناس على قتل موروثهم (٢)، ولذلك ورَّثنا نحن (٣)، وأبو حنيفة (٤) البائن في مرض الموت لتهمة الزوج أنه قصد إسقاط حقها من الإرث، وكان فاراً من حصوله لها، وكذلك قَتل الجماعة بالواحد حسماً لمادة الاشتراك في القتل (٥)، وكذلك منعنا من قرض الإماء حتى [لا] (٦) تكون ذريعة إلى الوطء في غير/ عقدٍ، ولا ملكٍ (٧)؛ لأنه قد يقرضها فيطأها، وتردها بعينها، ومنع المحرم والمعتدة من دواعي الجماع؛ لئلا يقع في الجماع المفسد للحج، وذلك في الأصول لا يحصى عدّاً، فإذا حرست هذه الأحكام جئنا إلى الزكاة، هي من أركان الدين، تتضمن مصلحتين عظيمتين:

التعبد لله ـ سبحانه ـ بمجاهدة النفس، وإخراج المال المحبوب في الطبع.

والثانية: نفع الفقراء، وإسداد خلّتهم، وإشباع جوعتهم، فوجب أن لا نفتح إلى إسقاطها باباً، فيكون ذريعة إلى الإخلال بهذا الركن العظيم، ولا يسدُّ باب إسقاطها إلا بإلغاء المعنى الذي يكون حيلةً وذريعةً إلى الإسقاط، فيبقى الإيجاب بحاله، وتُجعَل الشاة كأنها على ملكه، وأنها حية لإبقاء حق الفقراء، كما جعلنا المقتول كأنه حيٌّ في حق القاتل، وغير ذلك من المسائل التي ذكرناها.


(١) النِّساء: ١٢٨.
(٢) ينظر: الإرشاد ص ٣٤٥، الإنصاف ٧/ ٣٦٨.
(٣) ينظر: الإرشاد ص ٣٤٥، الإنصاف ٧/ ٣٥٥.
(٤) ينظر: المبسوط ٤/ ٢١٠، الجوهرة النيرة ١/ ٢٥٧.
(٥) ينظر: الروايتين والوجهين ٢/ ٢٥٥، الإنصاف ٩/ ٤٤٨.
(٦) ما بين المعكوفين ليس في الأصل، وقد أثبته ليستقيم السياق.
(٧) ينظر: المبدع ٤/ ٢٠٥، الإنصاف ٥/ ١٢٤، ١٢٥.

<<  <   >  >>