للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

فلم لم تكن الوصية حجة أُنكِر عليه، وقيل له: الوصية لا تؤثر في هذا؛ فلما اتفق الصحابة على ذلك دل على إجماعهم أن الوصية مؤثرة.

والفقه في المسألة: أنا نقول: الصلاة على الميت حق له، فجاز له نقله بالوصية إلى من يختاره، دليله: بيت ماله، والنظر في حقوق أولاده الأصاغر، وهذا لأنه إذا نقل عن الورثة ما كان يصل إليهم من المال، وعن الحاكم ماله من النظر في حق الأيتام؛ فلأن ينقل خالص حقه، وما يختص به منفعته أولى.

والدليل على أن منفعته له: أنه دعاء، وشفاعة له، ورحمة، وشكر، قال الله ـ تعالى ـ: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (١)، ولهذا يشرف بشرف من يصلى عليه من أهل الدين، ويَتَّضِع بترك الصلاة من أهل الفضل عليه، حتى قال أصحابنا: لا يصلي الإمام على الغالّ (٢) من الغنيمة، ولا على من قتل نفسه (٣)، حتى إنَّ الكافرَ لا يُصلِّي عليه مسلمٌ إهانة له، وإذا كان كذلك ثبت أنه من حقه، ونفعه عائد إليه، فله أن يوصي به إلى من يراه الأفضل الأكمل ليتوفر مقصوده.

طريقه المعنى: وهو أن الوصايا في الأصل وضعت/ لمنافع الموصي؛ إن كانت بمال فانتفاع به فيما يصير إليه، ويقدم عليه، وإن كان بولد فيما يصير إليه من الأقرب، فاستخلاف على الولد من يتوفر عليه، وعلى منافعه ومصالحه، وأحق ما نفع الإنسان نفسه، فإذا كان حال حياته يدعو لنفسه، ويسأل الله فيها لمنافع دنياه وآخرته، ثم إن الصلاة عليه وصف شفاعة فيه، وجب أن يقدم من اختاره لنفسه، ورضيه شفيعاً له إلى ربه، فيكون مقدماً على أقاربه؛ بل لو عرف في الأقارب خيراً يوفي على هذا الوصي


(١) التّوبَة: ١٠٣.
(٢) الغلول: الخيانة في المغنم والسرقة من الغنيمة قبل القسمة، يقال: غلّ في المغنم يغل غلولا فهو غال، وكل من خان في شيء خفية فقد غلّ. [ينظر: النهاية ٣/ ٣٨٠].
(٣) ينظر: متن الخرقي ص ٤٠، مسائل الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه للمروزي ٨/ ٣٩١٤.

<<  <   >  >>