للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

ولا قربة في التنفل في وقت المفروضة المتضايق، قال النبي : «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة» (١). فكان تنبيها على تضايق الوقت؛ لأن الإقامة قد تتسع معها الصلاة الحاضرة وغيرها، وهذا الوقت الضيق لا يتسع إلا لها، ويشهد لذلك ـ أيضاً ـ قول النبي ـ صلَّى الله عليه ـ: «لا صلاة لمن عليه صلاة، لا صدقة وذو رحم محتاج» (٢).

وأما إذا صلى وهو غير عالم؛ فليس عن أحمد في ذلك نص، فيحتمل أن لا نسلم، وإن سلّمنا فلأن الجاهل بذلك لا إثم عليه، والعالم مأثوم ممنوع، والقُرَب إذا وقعت على الوجه المحرّم نافى القربة، فأما حق الآدمي فلا يسقط بالنسيان/ وهو أجرة المثل، ولأن الشافعي قد قال: لو صلى وهو حامل لنجاسة ناسياً لم تبطل صلاته، ولو كان عالماً بطلت (٣). كذلك الغصب، والله أعلم.

وقد احتج بعضهم في هذه المسألة بأن قال: ليس في هذا أكثر من إسخاط آدمي، ولا يجوز أن يبلغ سخط الآدمي إلى رتبة إبطال العبادات لله ـ سبحانه ـ.

وهذا ليس بشيء؛ لأنا لا نُسلِّم أنه ليس سوى إسخاط الآدمي، بل سخط الله ـ سبحانه ـ لأجل الآدمي، ولهذا اتفقنا نحن والشافعي على أن القصر والفطر رخصة (٤) في تعبد الله ـ سبحانه ـ، سقطت للسفر في قطع الطريق، وأخذ أموال الناس، والغصب، ولا يقال بأنه ليس من رتبة سخط الآدمي سقوط رخصة في عبادة لله ـ سبحانه ـ، وصلاة القصر صحيحة في (٥) السفر المباح، فإذا كان السفر محظوراً لكونه سفراً لغصب أموال الناس بطلت المقصورة، وما بطلت إلا لأجل الناس، لكن لما كان في ذلك سخط الله أبطل، وإن قلت: ليس فيه سخط الله وقد أبطل؛ كان إبطالاً لما تعلقت به من الدعوى.


(١) أخرجه مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ١/ ٤٩٣، ح ٧١٠ من حديث أبي هريرة.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) ينظر: المجموع ٣/ ١٥٠، الحاوي الكبير ٢/ ٢٤٣.
(٤) ينظر: الحاوي الكبير ٢/ ٣٦٦، ٣٦٨، شرح الزركشي ٢/ ١٤٨، الروايتين والوجهين ١/ ١٧١.
(٥) بهذا المكان في الأصل: (الحضر و)، وبحذفها يستقيم المعنى.

<<  <   >  >>