فاتّفق أن ذكر للفرنجي كثرة أكله، فأراد أن يمتحنه، فقال له: أحضر لي عجلا، أكبر عجل عندكم، آكله إلى آخره. فضحك منه الفرنجيّ، ونقص عقله وأتاه بعجل كبير، ويقال بخنزير، فقال له: اذبحه واشوه، وائتني معه بجرّة خلّ. ثم قال: إذا أكلته ما يكون لي عندك؟ فغلط الفرنجيّ وقال له: أطلقك تمضي إلى أهلك. فاستحلفه على ذلك، وغلّظ عليه اليمين.
وأحضر الفرنجي عدّة من أصحابه ليشاهدوا (a) فعله. فلمّا استوفى العجل جميعه، صلّب كلّ من الحاضرين على وجهه/، وتعجّب من فعله وأطلقه؛ فقال: أخاف من أن يعتقد أنّني هربت، فأردّ إليكم. فأحضر الفرنجيّ من العربان من سلّمه إليهم ولم يشعر به إلاّ بباب عسقلان فطلع منها، وأعفي بعد ذلك من السّفر، وبقي برسم الأسمطة (١).
وقال ابن عبد الظّاهر: الحجر قريب من باب النّصر، وهو مكان كبير في صفّ دار الوزارة، إلى جانبه باب القوس الذي يسمّى باب النّصر قديما على يمنة الخارج من القاهرة، كان تربّى فيه جماعة من الشّباب يسمّون «صبيان الحجر» يكونون في جهات متعدّدة، وهم يناهزون خمسة آلاف نسمة. ولكلّ حجرة اسم تعرف به وهي: المنصورة والفتح والجديد، وغير ذلك مفردة لهم، وعندهم سلاحهم.
فإذا جرّدوا خرج كلّ منهم لوقته لا يكون له ما يمنعه، وكانوا في ذلك على مثال الدّاوية والإسبتاريّة (b) (٢)، وكانوا إذا سمي الرجل منهم بعقل وشجاعة خرج من هناك إلى الإمرة أو التقدمة، مثل عليّ بن السّلار وغيره، ولا يأوي أحد منهم إلاّ بحجرته بفرسه وعدّته وقماشه.
(a) المسودة: لمشاهدة. (b) بولاق: الذؤابة والاستار. (١) ابن المأمون: أخبار مصر ٩٦؛ المقريزي: المسودة ٢٦٩ - ٢٧٠. (٢) أي فرسان المعبد عند الفرنج المعروفين بال Templiers وهم جماعة أسّسها Hugue de Payns سنة ١١١٩ م لحماية طريق الحجاج المسيحيين بين يافا والقدس، والإسبتارية Hospitaliers التي أسّسها لنفس الغرض سنة ١٠٩٩ م Blessed Gerard. (٣) ابن عبد الظاهر: الروضة البهية ٥١؛ ابن خلكان: وفيات الأعيان ٤١٨: ٣؛ المقريزي: مسودة المواعظ ٢٦٧، وانظر فيما يلي ٥١٠.