والتحية والتبركة، وقال له: إنما جئت لهذا الأمر الذي اجتمع اليهود إليه، وأنا أبعث إليك من تلاميذي فيبرؤون أوجاعك وأسقامك؛ فلما أخذ حنان الجواب أخذ صورة المسيح في منديل.
ويقال: إنَّ حنان رسول الأبحر قال لعيسى ﵇: إنَّ الأبحر يشتهي أن يراك، وإنَّ المسيح أخذ منديلًا ومسح به وجهه المكرم فأخذ حنان المنديل ومضى به إلى الأبحر فقبله بكرامة عظيمة وجعله في خزانته. ويقال: إنه في خزائن الملوك إلى هذه الغاية.
وبعد الصعود وانتشار التلاميذ في أقطار الأرض مضى يومًا إلى الرُّها فلما رآه الأبحر، عظمه وأكرمه وآمن هو وأهل بيته، وقال له: لولا مواثيق بيني وبين الروم لا يمكنني نقضها، لكنت قد غزوت اليهود الذين صلبوا المسيح، وغزوتهم وأهلكتهم، قال: هذا لظنه أنه صلب.
قال المؤرخ: وإن يومًا أبرأ الأبحر ملك الرها من جميع أمراضه.
ولما صلب الذي ألقي عليه شبه المسيح ﵇ وهم يظنونه هو؛ كتب الأبحر إلى طيباريوس قيصر صاحب الروم بما نسخته: أما بعد فاعلم أيها الملك أنَّ اليهود الذين في سلطانك صلبوا المسيح من غير ذنب أوجب ذلك؛ ولما صلبوه، أظلمت الشمس وتزلزلت الأرض وحدثت أمور كثيرة جدًا؛ فكتب قيصر في جوابه: إني عرفت كل شيء عمل اليهود بالرجل الذي ذكرت وأردت الانتقام منهم فأشغلتني الحروب، وإن تفرغت قليلًا، أنزلت بهم النقمة والعذاب، وأما فيلاطس الذي جعلته قاضيًا عليهم، فقد عزلته بذل شديد وهوان عظيم؛ لأنه أطاعهم وعمل بقولهم.
فلما قرأ الأبحر ملك الرُّها الكتاب، فرح وسُرَّ به، وبعد ذلك أرسل عسكرًا من جهة طيباريوس قيصر فأهلك رؤساء اليهود.
وقيل: إن أمه مريم ﵉ ماتت بعد صعود ولدها بخمس سنين، وقد كمل عمرها إحدى وخمسين سنة؛ لأنها ولدته وعمرها ثلاث عشرة سنة، وأقام على الأرض ثلاث وثلاثين سنة، وأقامت أمه مريم بعد الصعود خمس سنين، ثم توفيت بأرض القدس ودفنت بها، فقيل: إنها دفنت في الجبل المطل على المسجد من شرقيه، وهو المعروف.
وبني على قبرها الدير الأكبر المسمى بالمصعد، ويقال: إن منه كان عروج المسيح ﵇.
وهذا الدير جليل البناء دخلته ورأيت بناءه واحكام عقوده، وهو من محاسن الأبنية، وقد اتخذ مسجدًا، وأسكنه الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب -