وأما موسى - صلوات الله عليه - وبنو إسرائيل، فإنهم دخلوا التيه، ثم كان من أمرهم ما كان. وكان من كرامة الله له أنَّ الحجر كان يحمل فيوضع فيضرب بعصاه فينفجر بالماء ثم يأتي كل سبط قسم منه يجري بينهم، وظللهم بالغمام وأنزل عليهم المنَّ والسلوى، ولم يخلق لهم ثوبًا، ولا أبلى جديدًا، ولا أمضى ظهرًا حتى أن الصغير منهم كان إذا طال ثوبه معه.
ثم كان تلونهم على موسى ﵇ وتلونهم له ما هو معروف، ولقد لاقي منهم المصاعب، وحمل المتاعب حتى أتاه اليقين، ولحق بربه.
ومن جملة مناجاة موسى ﵇ ربه ﷿ قال: أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني.
وعن بعض أهل البيت. قال: أوحى الله تعالى إلى موسى: أتدري لم اصطفيتك بكلامي دون خلقي؟ قال: لا يارب! قال: إني قلبت عبادي ظهرًا لبطن فلم أجد أحدًا أذل لي نفسًا منك ياموسى، إذا صليت فضع خديك على التراب.
وفي ما ناجى به ربه، أنه قال: يا رب، ما لمن عاد مريضًا؟ قال: أوكل به ملكًا يعوده في قبره إلى محشره قال: فيا رب ما لمن غسل ميتًا؟ قال: أخرجه من ذنوبه كما خرج من بطن أمه، فقال: يا رب فأي عبادك أتقى؟ قال: الذي يذكرني ولا ينساني قال: يا رب أي عبادك أغنى؟ فقال: الذي يقنع بما يؤتى. قال: يا رب أي عبادك أعدل؟ قال: الذي جمع علم غيره إلى علمه، والذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى. قال: يا رب أي عبادك أحسن عملًا؟ قال: الذي لا يكذب لسانه ولا يفجر قلبه، ولا يزني فرجه. قال: من يطيق هذا؟ قال: من يخافني قال: أيُّ عبادك أحبُّ إليك؟ قال: الذي يكثر ذكري قال: أي عبادك أبغض إليك؟ قال: جيفة بالليل بطال بالنهار، قال: أي عبادك أصبر؟ قال: أكظمهم للغيظ، قال: أيُّ عبادك أسعد؟ قال: من آثر أمري على هواه، وغضب لي غضب النمر لنفسه قال: يا رب أي خلقك أشقى؟ قال: من لا يذكرني إذا خلا بي. يا موسى إن أردت أقرب مجلسك يوم القيامة فلا تنهر السائل، ولا تقهر اليتيم، وإن أردت أن لا يبقى ملك في السماوات والأرض إلا سلم عليك وصافحك يوم القيامة، فأكثر التسبيح والتهليل، وإن أردت أن أباهي بك الملائكة، فامط الأذى عن الطريق، وإن أردت أن لا تدعوني دعوة إلا أجبتك، فعليك بحسن الخلق، إن أبغض عبادي لي الذي في قلبه كبر، وفي لسانه غلط، وفي قلبه قساوة، وكفاه يابستان من الخير إذا قيل له: اتق الله، أخذته العزة بالاثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد.