للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكان كل من عليه دم أو تهمة قتل أو يخاف على نفسه شيئًا ينهزم إليه، فاجتمع عنده عسكر كبير فشق هذا الأمر على السلطان شهريار ورآه أمرًا عظيمًا فأرسل إلى أخيه ماهان فطلبه أن يحضر إليه ولا يكلفه أن يخلع نفسه من ولاية العهد، وبذل له الأموال وما يختار من البلاد، فلم يفعل. فجهز له عسكرًا كبيرًا ليحضر إليه غصبًا، فخرج ماهان إليهم والتقاهم وهم على ضعف من أثر الطريق فقاتلهم وكسرهم وقتل منهم خلقًا كثيرًا وأخذ جميع ما كان معهم من الدواب والأسلحة والأمتعة، وغنم أصحابه منهم غنائم كثيرة وهرب بعضهم إلي السلطان شهريار فأخبره بذلك فاشتد هذا الأمر عليه ثم جهز عسكرًا ثانيًا أكثر من الأول وقدَّم عليه رجلًا من الأساورة اسمه قابوس، وكان من المحبين لماهان باطنًا؛ فلما قرب منه، اتفق مع الجيش الذي معه بأن يدخلوا في طاعة ماهان وتسلم أنفسهم وأموالهم فأرسل إليه وعرَّفه بذلك وطلب منه أمانًا له ولمن معه فخاف ماهان أن تكون مكيدة فأرسل إليه أحد إخوته ومعه الأمان: فلما توثق كل واحد منهما من الآخر مضى قابوس بمن معه إلى خدمة ماهان فركب ماهان فتلقاهم وأحسن إليهم وأعطاهم الأموال والخلع؛ فلما بلغ ذلك السلطان شهريار، خاف خوفًا عظيمًا واستدعى أكابر مملكته وشاروهم في الأمر، فقالوا له: أنت تعلم أنَّ مسافة بخارى بعيده، وطرقاتها مشقة، وفيها جبال وعرة؛ وكل من يسير إليها لا يصل إلا عن ضعف كثير فيلقاهم أخوك وهو مستريح فيكسرهم فكأنك تفني عسكرك وتتلفه ولا تحصل على مقصود، والذي نراه أن تتركه في تلك الناحية ولا ترسل إليهم أحدًا فوافقهم على ذلك في الظاهر، وفكر في نفسه في مكيدة يعملها بأخيه ماهان ليهلكه فاستحضر رجلًا عاقلًا عارفًا كان يثق به فتحدث معه بان يمضي إلى أخيه وأعطاه سُمًّا قاتلًا وأوصاه بأن يتحيل ويسمّ أخاه ووعده مواعيد جميلة إن هو فعل ذلك فمضى وأظهر أنه قد فارق خدمة السلطان شهريار؛ فلما وصل إلى ماهان أقبل عليه وقربه وأدناه فلم يزل يستقري الأحوال على مهل إلى أن بلغه إلى شراب سلار الذي لماهان واحدًا عليه فاجتمع به وتحدث معه فوجده موغر الصدر عليه، فلطف به ولازمه وأهدى إليه الهدايا الجليلة والتحف السنية وصار يأكل معه ويشرب فتحدث معه على الشراب فيما قدم لأجله فوافقه؛ فلما وثق منه أعطاه السم الذي معه فأخذه شراب سلار وخلطه في شراب ماهان وسقاه فمات لوقته، فاجتمع أكابر دولته وملكوا ولده ما كان، ويقال مهكان عوضه.

وعاد الرجل الذي احتال على ماهان فأخبره بالقضية فسر بذلك سرورًا كثيرًا، ووفى له بما كان وعده.

<<  <  ج: ص:  >  >>