للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

والذي استقرّ عليه الرأي الحقّ أنّه مقدار حركات الفلك؛ ولما كان الفلك متحرّكًا بالاستدارة حركات يتلو بعضها بعضًا، جعل مقدار كلّ حركة منها يومًا، ولما كانت الشمس في كلّ واحد من تلك الحركات تارة تكون ظاهرة لأهل الربع المسكون، وتارة تكون مستترة عنهم بمحدب الأرض انقسم لذلك مقدار الحركة المسمّى باليوم إلى الليل والنهار، فالنهار عبارة عن الوقت الذي تبدو فيه الشمس، والليل عبارة عن الوقت الذي تستتر فيه.

ثمّ قسم كلّ واحد من الليل والنهار إلى اثني عشر جزءًا؛ وهي الساعات، ولما ثبت حدوث العالم وحقيقة الزمان، وأنه متناه الطرفين إذ الدليل العقلي والنقلي على أنَّ له إبتداء وانتهاء فتكون إذًا جملته متناهية لكن مقداره مختلف فيه.

فأما أرباب المختلفة فقالوا: إنَّ جملته من ابتداء تحرّك الكواكب من أول نقطة من برج الحمل وإلى آخر اثنتين وستين وستمائة آلاف أربعة ألف ألف وثلاثمائة ألف وعشرون ألفًا وثلاثمائة واحدى وستون سنة وسبعة أشهر وسبعة عشر يومًا. وزعموا أنَّ ذلك معلوم بالبرهان من جهة تقويم الكواكب.

وقال أرسطا طاليس في كتاب الأسطماطيس الذي نسبه إلى هرمس الأول: انَّ دولة كلّ كوكب من الكواكب السبعة السيارة ألف سنة فإذا انقضت، عاد الأول إلى ما لا نهاية.

وأما الشرعيون فلم يقدروا زمانًا إلا أنهم قرروا أن له أوانًا وآخر.

وأما أهل الكتاب الأول فقالوا: إنَّ جملته من أوله إلى آخره سبعة آلاف سنة، وليس لهم على ذلك دليل من كتبهم، ولا قال هذا من المسلمين إلا من نقله عن أهل الكتاب.

وإنما الحق والصدق أن العالم محدث له أول وآخر، ولكنا لا نحصره بمدة مخصوصة؛ لأنه لم يأت به الكتاب والسنة.

وأما ما مضى من آدم وإلى مبعث موسى وعيسى - صلوات الله عليهما - فهو ما حرره اليهود إن صدقوا وصدقوا ما قالوه (١).

فأما النصارى، فانهم اجتهدوا على تحقيق تواريخهم، والماضي من الزمان الكتب


(١) اعتمدنا في تحقيق هذا الباب وسيرة الأنبياء على:
التوراة بأسفاره الخمسة، تاريخ الطبري، جمهرة أنساب العرب لابن حزم، سبائك الذهب للسويدي، تجارب الأمم لابن مسكويه، قصص الأنبياء للنجار.

<<  <  ج: ص:  >  >>