وإن قيل: إنهم كانوا يعرفونها. قيل: فلِمَ لم يتكلموا بها وتظهر نهضتهم من لدن نزول القرآن الذي حوى علوم الأولين والآخرين؟ ولِمَ لم تقم نهضتهم على هذه الآيات الشارحة لمختلف العلوم وسائر الفنون؟ .
الدليل الثالث: أن التفسير العلمي للقرآن والسنة يعرضهما للدوران مع مسائل العلوم في كل زمان ومكان، والعلوم لا تعرف الثبات ولا القرار ولا الرأي الآخر، وقد اعترف علماء المادة في هذا القرن:"بأن العلوم المادية لا تعطى إلا علما جزئيا عن الحقائق"(١)، بينما القرآن هو تلك الحقائق الإلهية العلوية، القارة، الثابتة، المنزلة من عند الله الذي وسع علمه كل شيء.
الدليل الرابع: قالوا: أن المعرفة لمعاني كتاب الله إنما تؤخذ من هذين الطريقين: من أهل التفسير الموثوق بهم من السلف، ومن اللغة التي نزل القرآن بها وهي لغة العرب (٢).
الدليل الخامس: قالوا في جوابهم عن الاستدلال بقوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ}(٣)، وأنه يشمل جميع العلوم: أن المراد بالكتاب في الآية: اللَّوح المحفوظ، ولم يذكر المفسرون في معناها ما يقتضى تضمنه لجميع العلوم النقلية والعقلية (٤).
الدليل السادس: أن التفسير العلمي للقرآن يحمل أصحابه والمغرمين به على التأويل المتكلف، واللهث وراء الفروض والنظريات التي لا تثبت ولا
(١) الإسلام يتحدى لوحيد الدين خان، تعريب: ظفر الإسلام خان، مراجعة وتحقيق: عبد الصبور شاهين، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط ١١: ٢٣. (٢) الصواعق الشديدة على أتباع الهيئة الجديدة: ٣٨. (٣) الأنعام: ٣٨. (٤) انظر: تفسير الطبري: ٧/ ٢١٩، تفسير القرطبي: ٦/ ٤٢٠، تفسير ابن كثير: ٢/ ١٣٥.