وعيّن له أيضا الحراج (a)، وهو أشجار من سنط لا تحصى كثرة، في البهنساوية وسفط ريشين والأشمونين والأسيوطية والإخميمية والقوصيّة … لم تزل بهذه النّواحي لا يقطع منها إلاّ ما تدعو الحاجة إليه، وكان فيها ما تبلغ قيمة العود الواحد منه مائة دينار - وقد ذكر خبر هذا الحراج (a) في ذكر أقسام مال مصر من هذا الكتاب (١) - وعيّن له أيضا النّطرون، وكان قد بلغ ضمانه ثمانية آلاف دينار.
ثم أفرد لديوان الأسطول، مع ما ذكر، الزّكاة التي كانت تجبى بمصر، وبلغت في سنة زيادة على خمسين ألف دينار، وأفرد له المراكب الدّيوانية وناحية أشناي وطنبدى. وسلّم هذا الدّيوان لأخيه الملك العادل أبي بكر محمد بن أيّوب، فأقام في مباشرته وعمالته صفيّ الدّين عبد اللّه ابن عليّ بن شكر. وتقرّر ديوان الأسطول الذي ينفق في رجاله نصف وربع دينار، بعد ما كان نصف وثمن دينار (٢).
فلمّا مات السّلطان صلاح الدّين يوسف بن أيّوب، استمرّ الحال في الأسطول قليلا، ثم قلّ الاهتمام به، وصار لا يفكّر في أمره إلاّ عند الحاجة إليه. فإذا دعت الضّرورة إلى تجهيزه، طلب له الرّجال، وقبض عليهم من الطّرقات، وقيّدوا في السّلاسل نهارا، وسجنوا في اللّيل حتى لا يهربوا، ولا يصرف لهم إلاّ شيء قليل من الخبز ونحوه، وربّما أقاموا الأيّام بغير شيء كما يفعل بالأسرى من العدوّ.
فصارت خدمة الأسطول عارا يسبّ به الرّجال، وإذا قيل لرجل في مصر «يا أسطولي» غضب غضبا شديدا، بعد ما كان خدّام الأسطول يقال لهم:«المجاهدون في سبيل اللّه، والغزاة في أعداء اللّه»، ويتبرّك بدعائهم النّاس.
ثم لمّا انقرضت دولة بني أيّوب، وتملّك الأتراك المماليك مصر، أهملوا أمر الأسطول. إلى أن كانت أيّام السّلطان الملك الظّاهر ركن الدّين بيبرس البندقداري، فنظر في أمر الشّواني الحربية، واستدعى برجال الأسطول - وكان الأمراء قد استعملوهم في الحراريق وغيرها - وندبهم للسّفر، وأمر بمدّ الشّواني وقطع الأخشاب لعمارتها، وإقامتها على ما كانت عليه في أيّام
(a) بولاق: الخراج. (١) فيما تقدم ٢٨٨: ١، ٢٩٨. (٢) فيما تقدم ٢٩١: ١ - ٢٩٣.