للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

مسار الصفحة الحالية:

له مراكب فوق النّيل راكدة … فما سوى القار للنّظّار والخشب

ترى عليها لباس الذّلّ مذ بنيت … بالشّطّ ممنوعة من عزّة الطّلب

/ فما بناها لغزو الرّوم محتسبا … لكن بناها غداة الرّوع للهرب (a) (١)

وقال سعيد بن القاص (b) من أبيات:

[الطويل]

وإن جئت رأس الجسر فانظر تأمّلا … إلى الحصن أو فاعبر إليه على الجسر

ترى أثرا لم يبق من يستطيعه … من النّاس في بدو البلاد ولا حضر

مآثر لا تبلى وإن باد أهلها … ومجد يؤدّى وارثيه إلى الفخر

وما زال حصن الجزيرة هذا عامرا أيّام بني طولون، وعملت فيه صناعة مصر التي تنشأ فيها المراكب الحربية. فاستمرّ صناعة إلى أن تقلّد الأمير محمد بن طغج الإخشيد إمارة مصر من قبل أمير المؤمنين الرّاضي باللّه، وسيّر مراكب من الشّام عليها صاعد بن الكلكم، فدخل تنّيس، وصارت مقدّمته في البرّ، ودخل صاعد دمياط، وسار فهزم جيش مصر الذي جهّزه أحمد بن كيغلغ إليه بتدبير محمد بن عليّ الماذرائي على بحيرة نوسا، وأقبل في مراكبه إلى الفسطاط فكان بالجزيرة.

وقدم محمد بن طغج، وتسلّم البلد لستّ بقين من رمضان سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة، وفرّ منه جماعة إلى الفيّوم. فخرج إليهم صاعد بن الكلكم في مراكبه، وواقعهم بالفيّوم فقتل في عدّة من أصحابه، وقدمت الجماعة في مراكب ابن كلكم، فأرسلوا بجزيرة الصّناعة وحرقوها، ثم مضوا إلى الإسكندرية وساروا إلى برقة. فقال محمد بن طغج: الصّناعة هنا خطأ، وأمر بعمل صناعة في برّ مصر.

وحكى ابن زولاق في «سيرة محمد بن طغج» أنّه قال: أذكر أنّي كنت آكل مع أبي منصور تكين أمير مصر، وجرى ذكر الصّناعة فقال تكين: صناعة يكون بيننا وبينها بحر خطأ. فأشارت الجماعة بنقلها، فقال: إلى أي موضع؟ فأردت أن أشير عليه بدار خديجة بنت الفتح بن خاقان، ثم سكتّ، وقلت: أدع هذا الرأي لنفسي إذا ملكت مصر، فبلغت ذلك والحمد للّه وحده.


(a) بولاق: والعطب.
(b) بولاق: القاضي.
(١) الكندي: ولاة مصر ٢٤٤ - ٢٤٥.