كأنه وإخوته في الزرع يحزمون حزمًا، وأن حزمته انتصبت وسجدت له حزم إخوته.
ثم رأى رؤيا ثانية كأن الشمس والقمر وأحد عشر كوكبًا يسجدون له، وأخبر أباه وإخوته فزجره أبوه، وقال له: نسجد لك أنا وأمك وإخوتك فحسده إخوته وأرادوا قتله ثم اتفقوا على بيعه فباعوه للعرب الرحالة بعشرين مثقالًا، وقيل: غير ذلك.
فمضوا به إلى مصر وباعوه لفوطيفور - صاحب شرطة فرعون - فأحبته امرأة سيده، وطلبت منه أن يضاجعها فامتنع وكذبت عليه، وقالت لسيده: إنَّ هذا الغلام يراودني عن نفسي فحبسه سيده.
وبعد سنين كثيرة حبس فرعون رئيس السقاة ورئيس الخبازين، فرأى رئيس السقاة في نومه كأنَّ في يده كرمة، وقد أظلت منها ثلاث عناقيد عنبًا وإنه اعتصرها في كأس فرعون وناوله لفرعون فأخبر يوسف بالمنام فقال له: بعد ثلاثة أيام يكون كما رأيت فاذكرني عند ربك فرعون.
ثم رأى رئيس الخبازين كأن على رأسه ثلاثة أطباق فيها من خبز فرعون وطعامه والطير تأكل منه، فقال له يوسف: بعد ثلاثة أيام تصلب ويأكل الطير من لحمك. فكان كذلك.
قال بعضهم: كل واحدٍ منهما رأى منام الآخر وتقايضا فلما علما تفسيره أراد الساقي الرجوع، فقال له يوسف ﵇: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ (١). فأصاب كل واحد تفسير المنام الذي أراد وإن كان إنما رآه صاحبه.
وبعد ذلك بسنين رأى فرعون منامًا ولم يجد من يفسره فأخبره رئيس السقاة بما كان منه ومن رئيس الخبازين، وتعبير يوسف لهما المنامين فاستحضره فرعون وقال له: إني رأيتُ سبع بقرات سمان صعدن من البحر، وبعدهن صعدت سبع بقرات عجاف فابتلعت العجاف السمان، ورأيت أيضًا سبع سنابل خضر، وسبع سنابل يابسات، فقال له يوسف: أما البقرات السمان، فإنها سبع سنين خصبًا تأتي والبقرات السبع العجاف سنين قحطًا تأتي على الأرض بعدها، وكذلك السنابل أيضًا، والرؤيا واحدة والتعبير واحدة فلتنظر في رجل حكيم توليه أرض مصر يجمع غلات السنين الخصبة لأيام السنين المقحطة. قال فرعون لخاصته: وأين يوجد مثل هذا الرجل؟ فقال: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٢).