﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ اعتذارٌ وبراءةٌ من ذلك القول، ووكلَ العلمَ إلى الله؛ لتظهر براءتُه؛ لأن الله عَلِم أنه لم يقل ذلك.
﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي: تعلم معلومي ولا أعلم معلومَك، ولكنه سلك باللفظ مَسْلَكَ المشاكلة؛ فقال: ﴿فِي نَفْسِكَ﴾؛ مقابلةً لقوله: ﴿فِي نَفْسِي﴾ (١).
وبقيةُ كلامه تعظيمٌ لله، وإخبارٌ بما قال للناس في الدنيا.
﴿أَنِ اعْبُدُوا﴾ ﴿أَنِ﴾ حرف عبارة وتفسير.
أو مصدرية؛ بدلٌ من الضمير في ﴿بِهِ﴾.
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فيها سؤالان: الأول: كيف قال: ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ وهم كفَّارٌ؛ والكفَّار لا يُغفَر لهم؟
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله في تفسير الآية: «أي تعلم معلومي ولا أعلم معلومك» إلخ، أقول: هذا تفسير منه للموصول في الموضعين: ﴿مَا فِي نَفْسِي﴾ و ﴿مَا فِي نَفْسِكَ﴾، فيكون المعنى تعلم الذي أعلمه، ولا أعلم الذي تعلمه، وهذا يشمل ما يُبدَى وما يُخفَى، وهذا أعم مما يدل عليه لفظ الآية، والله يعلم ما يبديه العبد وما يخفيه، ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾، والعبد يعلم من معلوم الله ما أعلمه به، ولا يعلم العبد ما يخفيه سبحانه، فلا يعلم ما استأثر الله بعلمه، ولا كلَّ ما أعلم به بعض عباده، فقول عيسى ﵇: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي﴾ أي ما أخفيه، ﴿وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ أي ما تخفيه. ولم يذكر المؤلف ﵀ معنى النفس في الآية، وأليقُ معاني النفس في مثل هذا السياق أن يراد بها الذات، كما يقال: جاء محمد نفسه، وهذا الشيء نفسُ ذاك، أي هو هو، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾. والله أعلم.