للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ استدلَّ بها المعتزلة وغيرهم على أن العاصي لا يُتَقَبَّلُ عمله.

وتأوَّلها الأشعرية: بأن التقوى هنا يراد بها: تقوى الشرك (١).

﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ﴾ الآية؛ قيل: معناها: لئن بدأتني بالقتل لم أبدأك به.

وقيل: لئن بدأتني بالقتل لم أدافعك، ثم اختلف على هذا القول:

هل تَرْكه لدفاعه عن نفسه تورُّعٌ (٢) وفضيلة؟ وهو الأظهر والأشهر.

أو كان واجبًا عندهم أن لا يدافع أحد عن نفسه؟ وهو قول مجاهد.

وأما في شرعنا: فيجوز دفعُ الإنسان عن نفسه؛ بل يجب.

﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ الإرادة هنا ليست بإرادة محبَّةٍ وشهوة، وإنما هو تَخَيُّرٌ في أهون الشَّرَّين؛ كأنه قال: إن قتلتني فذلك أحبُّ إليَّ مِنْ


(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: (استدل بها المعتزلة .. ) إلخ، أقول: ذكر المؤلف قول المعتزلة وقول الأشاعرة، وظاهر كلامه أنه يرد قول المعتزلة، ويرضى قول الأشاعرة، وقولُ المعتزلة ظاهر الفساد؛ لأنه مبنيّ على أن العاصي ليس بمؤمن، وشرط قبول العمل الإيمان، وأما قول الأشاعرة فصحيح من جهة أن الشرك يحبط العمل، لكن هذا القول يقتضي أن من لم يكن مشركا فالله يقبل عمله مطلقا، وليس هذا بمستقيم؛ فإن المؤمن الموحد قد يعرض له في العمل ما يبطله كالرياء، والمن والأذى في الصدقة، ومخالفة السنة، ومن الخطأ في فهم الآية ظنُّ بعض الناس أن المراد أن الله لا يتقبل إلا من تقيّ فاعل للمأمورات، تارك للمعاصي، وهذا يؤول إلى قول المعتزلة، والصواب في الآية أن الله لا يقبل إلا ممن اتقى الله في عمله ذلك، بأن أتى به على الوجه المشروع، خالصا صوابا، ولم يأت بما يبطله. والله أعلم.
(٢) في د زيادة: «منه».

<<  <  ج: ص:  >  >>