للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

الخلق في قبضة القهر، ليس بيدهم شيءٌ من الأمر، فيطرح الأسباب، وينبذ الأرباب.

والدرجة الثالثة: ألَّا يرى في الوجود إلَّا الله وحده، فيغيب عن النظر إلى المخلوقات، حتى كأنها عنده معدومةٌ.

وهذا هو الذي تسمّيه الصوفية: مقام الفناء؛ بمعنى الغيبة عن الخلق؛ حتى إنه قد يفنى عن نفسه، وعن توحيده، أي: يغيب عن ذلك باستغراقه في مشاهدة الله (١).


(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: قوله: «واعلم أن توحيد الخلق لله تعالى على ثلاث درجات … » إلخ.
أقول: هذا التقسيم للناس في التوحيد يشبه ما ذكره من تقسيمه للناس في مقصودهم من الذكر، وقد تقدم التنبيه إلى ما فيه، وكذلك نقول هنا: إن ما ذكره من تفاضل الناس في التوحيد صحيح، ولكنه سلك في التعبير عن ذلك طريق الصوفية؛ إذ جعله ثلاث درجات: توحيد العامة، وتوحيد الخاصة، وتوحيد خاصة الخاصة.
وفسّر كل درجة من هذه الدرجات، كما هي عند الصوفية، ولا إشكال فيما فسّر به توحيد العامة إلا من حيث تخصيصه بالعامة، ولكن يؤخذ على المؤلف ما فسّر به الدرجة الثانية والثالثة مقرًّا لهما، وقد تضمن كلامه عدة إشكالات:
١ - قوله: «فيطرح الأسباب»، أقول: هذا قولٌ مجملٌ يحتمل أمورًا:
أ - فإن كان لاعتقاد عدم تأثيرها، فهذا جحدٌ لما تضافرت الأدلة العقلية والشرعية على إثباته، وهو تأثير الأسباب في مسبّباتها، وهذا مذهب الجهمية ومن وافقهم؛ كالأشاعرة.
بـ وإن كان لاعتقاد عدم شرعية العمل بها، فهذا مخالفٌ لموجب الشرع، كقوله : «احرص على ما ينفعك»، وقوله للرجل: «اعقلها وتوكل»، وقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُم مِن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. وشواهد ذلك كثيرة. =

<<  <  ج: ص:  >  >>