فإن قيل: لم قال في «البقرة»: ﴿هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ وفي «إبراهيم»: ﴿هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا﴾، فعرَّف البلد في «إبراهيم» ونكّره في «البقرة»؟
فعن ذلك ثلاثةُ أجوبةٍ:
الجواب الأول: قاله أستاذُنا الشيخُ أبو جعفرِ بنُ الزبيرِ، وهو أنه تقدَّمَ في «البقرة» ذِكْرُ البيتِ في قولهِ: ﴿الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ (١)، وذِكْرُ البيتِ يقتضي بالملازمةِ ذِكْرَ البلدِ الذي هو فيهِ، فلم يحتجْ إلى تعريفهِ، بخلافِ آيةِ «إبراهيم»؛ فإنهُ لم يتقدَّمْ قَبْلَها ما يقتضي ذِكْرَ البلدِ، ولا المعرفةَ بهِ، فذكَرَه بلامِ التعريفِ.
الجواب الثاني: قاله السهيليُّ، وهو أن النبيَّ ﷺ كان بمكة حين نزلت آية «إبراهيم»؛ لأنها مكيَّةٌ، فلذلك قال فيه: ﴿الْبَلَدَ﴾ بلام التعريف التي للحضور؛ كقولك:«هذا الرجل» وهو حاضرٌ، بخلاف آية «البقرة»؛ فإنها مدنيَّةٌ، ولم تكن مكةُ حاضرةً حين نزولها، فلم يعرِّفها بلام الحضور.
وفي هذا نظر؛ لأن ذلك الكلام حكاية عن إبراهيم ﵇، فلا فرق بين نزوله بمكة أو المدينة.
الجواب الثالث: قاله بعض المشارقة (٢)، أنه قال: ﴿هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ قبل
(١) هذه الآية متأخرة عن الآية التي يتكلم عنها، فكأنه سبق قلم من ابن جزي ﵀، والمراد آية: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً﴾ .. ؛ فهي المتقدمة عليها، وهي التي ذكرها ابن الزبير في «ملاك التأويل» (١/ ٢٣٤) الذي نقل منه ابن جزي هذا الجواب. (٢) يعني به: أبا عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني، المعروف بالخطيب الإسكافي، =