وفَسَّرَ بعضُهم ﴿الْخَالِقِينَ﴾ بالمقدِّرين؛ فرارًا من وصف المخلوق بأنه خالق.
ولا يجب أن يُنْفَى عن المخلوق أنه خالق بمعنى صانع، كقوله: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ﴾ [المائدة: ١١٠]، وإنما الذي يجب أن يُنْفَى عنه معنى الاختراع والإيجاد من العدم، فهذا هو الذي انفرد الله به (١).
(١) قال الشيخ عبد الرحمن البراك: الخلق في اللغة يأتي بمعنى الإيجاد بعد عدم، ويأتي بمعنى التقدير، ومنه قول الشاعر: ولأنت تفري ما خلقت وبعـ … ض القوم يخلق ثم لا يفري وقد جاء المعنيان في القرآن فيما يضاف إلى الله، ولكن المعنى الأول هو الأكثر، وشواهده بتصاريف مادته لا تحصر، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ﴾، ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾، ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾، ومن الخلق بمعنى التقدير قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ﴾ فالخالق هو المقدر لما يريد إيجاده، والبارئ هو المخرج لما قدره إلى الوجود، ويحتمل المعنيين قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. ولم يأت في القرآن الخلق مضافا إلى غير الله إلا ما جاء في الخبر عن عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي﴾، والأظهر أن الخلق هنا بمعنى التقدير، فهو ﵇ لا يوجد طيرا، وإنما يخلق ما هو كهيئة الطير، فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وبذا يعلم أنه لم يأت الخلق بمعنى الإيجاد في القرآن مضافا لغير الله مطلقا، ولا يكاد يستعمل في لسان المسلمين إضافة الخلق لغير الله، بل نفى سبحانه الخلق عن كل ما يعبده المشركون: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾، ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾، حتى ما ينحته المشركون من الأصنام أضاف الله خلقها إليه، قال تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾، وعلى هذا فلا يجوز إضافة خلق مصنوعات البشر إلى صانعيها، بل الله خالقها بالأسباب التي خلقها وقدرها، وعلى هذا فتعقب المؤلف لمن قال: ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ أحسن المقدرين، ضعيف.