قوله: ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ مستأنفًا يراد به من لا ينقاد للطاعة، ويُوقَف على قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾، وهذا القول هو الصحيح.
وإنْ جعلنا السجود بمعنى الانقياد لقضاء الله وتدبيره؛ فلا يصح تفصيل الناس على ذلك إلى من يسجد ومن لا يسجد؛ لأن جميعهم يسجد بذلك المعنى.
فقيل (١): إن قوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ معطوف على ما قبله، ثم عطف عليه ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾، فالجميع على هذا يسجد، وهذا ضعيف؛ لأن قوله: ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ يقتضي ظاهره: أنه إنما حق عليه العذاب بتركه للسجود.
وتأوله الزمخشري على هذا المعنى: بأن أعرب ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ فاعلًا بفعل مضمر تقديره: يسجد سجود طاعة، أو مرفوعًا بالابتداء، وخبره محذوف تقديره: مثاب (٢). وهذا تكلُّف بعيد.
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ الإشارة إلى المؤمنين والكفار على العموم، ويدلُّ على ذلك: ما ذكر قبلها من اختلاف الناس في أديانهم، وهو قول ابن عباس (٣).
(١) في ج، د: «وقيل». (٢) الكشاف (١٠/ ٤٥٩). (٣) في نسبة هذا القول إلى ابن عباس نظر!، فابن عباس يقول بأنها في المؤمنين وأهل الكتاب، لا عموم الكفار، وأما القول بأنها في المؤمنين والكفار على العموم، فهو قول مجاهد وعطاء والحسن البصري وعاصم والكلبي. انظر: تفسير الطبري (١٦/ ٤٩١)، والمحرر الوجيز (٦/ ٢٢٨).