وانتفاء هذا الوصف هو المقصود من العَدْل، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]، فكم من صالح لا شك في صلاحه من عصمته أن لا يجد، وفي نفسه أن لا يعصي، فإذا جرت عليه المقادير وغلب هواه؛ قامت نفسه، فانبعث منها ما لا يبقى معه صلاح.
فلا بُدَّ أن يُمتحن الصالح حتى يُعرَف حاله في الرضا والغضب، وعند الأغراض، فإذا استوى كلامه فهو العدل، وإلا فليس بعدل وإن كان صالحا قبل حصول ما يُغَيّره، فالعدالة هيئة راسخة في النفس تحمل على الصدق في القول في الرضا والغضب، ويُعرف ذلك باجتناب الكبائر، وعدم الإصرار على الصغائر، وملازمة التقوى، والاعتدال عند انبعاث الأغراض، حتى يملك نفسه عن اتباع هواه، فقد رأيتُ مَنْ لا يُقدِم على ذنب فيما يعتقد، ثم يستر هواه على عقله، أعاذنا الله من ذلك. انتهى كلامه.
وهو الحق الذي لا مرية فيه، ولا أعتقد فيه مخالفا وإن سكتوا عنه، فلعلهم (١) اكتفوا بلفظ العدل.
وقد كنت أنا أقول: يشترط مع ذلك أن لا يكون متلبسا حال تأديته الشهادة بمعصية، وإن كانت صغيرةً تُغتفر لمن لا يتلبس بها حال الأداء؛ لأنَّ المعاصي من حيث هي منافية للعدالة، إلا أنَّا اغتفرنا الصغائر لقلة التصون عنها وعسره، وكون المسلم لا يسلم من الذنب الفَيْنَةَ بعد الفَيْنَةِ، وذلك لا يَقِلُّ ولا يَعسُر وقت الأداء، فلمنصب الشهادة أبهة تنافي المعاصي عنده كبيرها وصغيرها، ثم رأيتُ