وقال الشافعي في الأم (٣/ ٤٠٨): «قال الله ﵎: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي﴾. قال الشافعي: فلم أسمع مخالفاً ممن حفظت عنه ممن لقيت من أهل العلم بالتفسير في أنها نزلت بالحديبية، وذلك إحصار عدو، فكان في الحصر إذن الله تعالى لصاحبه فيه بما استيسر من الهدي، ثم بين رسول الله ﷺ أن الذي يحل منه المحرم الإحصار بالعدو، فرأيت أن الآية بأمر الله تعالى بإتمام الحج والعمرة الله عامة على كل حاج ومعتمر إلا من استثنى الله، ثم سن فيه رسول الله ﷺ من الحصر بالعدو، وكان المريض عندي ممن عليه عموم الآية، وقول ابن عباس، وابن عمر، وعائشة، يوافق معنى ما قلت، وإن لم يلفظوا به إلا كما حدث عنهم، أخبرنا سفيان بن عيينة، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو. قال الشافعي: قول ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو؛ لا حصر يحل منه المحصر إلا حصر العدو، كأنه يريد مثل المعنى الذي وصفت والله أعلم … »، ثم أسند أثر ابن عمر فيمن حبسه المرض عن البيت، أنه لا يحل إلا بالطواف بالبيت، ثم أسند قصة ابن حزابة، وقول عائشة: المحرم لا يحله إلا البيت.
ثم قال الشافعي:«في مكي أهل بالحج من مكة أو غريب دخلها محرماً فحل ثم أقام بها حتى أنشأ الحج منها، فمنعهما مرض حتى فاتهما الحج؛ يطوفان بالبيت وبين الصفا والمروة، ويحلقان أو يقصران، فإذا كان قابل حجا، … ».
ثم قال:«ومن أحرم بحج فحبس عن الحج بمرض أو ذهاب عقل أو شغل أو توان أو خطأ عدد، ثم أفاق من المرض في حين يقدر على إتيان البيت لم يحلل من شيء من إحرامه حتى يصل إلى البيت، فإن أدرك الحج عامه الذي أحرم فيه لم يحلل إلى يوم النحر، وإن فاته حج عامه الذي أحرم فيه حلَّ إذا طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة وحلق أو قصر، فإن كان إهلاله بحج فأدركه فلا شيء عليه، وإن كان إهلاله بحج ففاته خرج منه بعمل عمرة وعليه حج قابل أو بعد ذلك، وما استيسر من الهدي، وإن كان قارناً فأدرك الحج فقد أدركه والعمرة، فإن فاته الحج حج بالطواف والسعي والحلق أو التقصير، وكان عليه أن يهل بحج وعمرة مقرونين، لا يزيد على ذلك شيئاً، … ، وإن اضطر قبل الإحلال إلى شيء مما عليه فيه فدية إذا كان محرماً أو أصابه فعليه فدية، … ». [وانظر أيضاً: الأم (٣/ ٥٦٩)].
وقال المزني في المختصر (١/ ٣٩١): «قال الشافعي: قال الله ﵎: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْي﴾، وأحصر رسول الله ﷺ بالحديبية فنحر البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة. قال: وإذا أحصر بعدو كافر أو مسلم، أو سلطان يحبس في سجن؛ نحر هدياً لإحصاره حيث أحصر في حل أو حرم، ولا قضاء عليه، إلا أن يكون واجباً فيقضي.
وإذا لم يجد هدياً يشتريه، أو كان معسراً؛ ففيها قولان: أحدهما: أن لا يحل إلا بهدي، والآخر: أنه إذا لم يقدر على شيء حلّ، وأتى به إذا قدر عليه، وقيل: إذا لم يقدر أجزأه، وعليه إطعام أو صيام، فإن لم يجد ولم يقدر فمتى قدر.