الشعثاء جابر بن زيد عن ابن عباس، قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب وهو يقول: «من لم يجد إزاراً فليلبس سراويل، ومن لم يجد نعلين فليلبس خفين». فنص الخبر دليل على مالك في جواز لبسه، وفيه دليلان على أبي حنيفة في سقوط الفدية في لبسه. أحدهما: أنه جعل السراويل مع عدم الإزار، في حكم المباحات من الملبوسات التي أضرب عن النهي عنها، ولم يوجب الفدية في لبسها. والثاني: أنه جعله بدلاً من الإزار عند عدمه، فوجب أن يكون في حكم مبدله، ولأنه لبس أبيح بالشرع لفظاً، فوجب أن لا تلزم فيه الفدية، كالإزار، ولأنه لبس لا يمكن ستر العورة إلا به، فوجب أن لا يلزم فيه الفدية، كالقميص للمرأة».
ثم فرق بين السراويل والقميص، بأن لبس السراويل إنما أبيح لستر العورة، وكذلك فإن السراويل إذا اتزر به ضاق عن ستر عورته، فاضطر إلى لبسه ليستر عورته، والقميص إن اتزر به اتسع لستر جميع عورته فلم يضطر إلى لبسه لستر عورته.
وقال ابن حزم في المحلى (٥/ ٦٦): «حديث رسول الله ﷺ لا يحل خلافه، فليلبس السراويل كما هي ولا شيء في ذلك».
وقال القاضي أبو يعلى في التعليقة الكبيرة (١/ ٣٤١): «مسألة: إذا لم يجد المحرم الإزار لبس السراويل، ولا فداء عليه: نص عليه في رواية بكر بن محمد: وذكر له: إذا لم يجد إزاراً يلبس السراويل، قال: أذهب إليه. وفي رواية مهنا - أيضاً ـ، وقد حكي له أنه ناظر بعض أصحاب الشافعي في قطع الخفين، وإن سبيل السراويل وسبيل الخف واحد، فتبسم أبو عبد الله، وقال: ما أحسن ما احتججت عليه … . واحتج بما ورد في الباب، ثم قال: «فأجاز لبس السراويل إذا لم يجد إزاراً، وإذا ثبت جواز لبسه، ثبت أنه لا فدية فيه؛ لأن أحداً لا يفرق بين الأمرين، ولأن النبي ﷺ بين حكم اللبس وجوازه، وأعرض عن ذكر الفدية، ولو كانت واجبة لبينها؛ لأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ لأن من جهل جواز اللبس كان بأن يجهل وجوب الفدية أولى».
وقال ابن قدامة في المغني (٥/ ١٢٠): «مسألة: قال: فإن لم يجد إزاراً لبس السراويل، وإن لم يجد نعلين لبس الخفين، ولا يقطعهما، ولا فداء عليه»، ثم قال: ولنا: خبر ابن عباس، وهو صريح في الإباحة، ظاهر في إسقاط الفدية؛ لأنه أمر بلبسه، ولم يذكر فدية، ولأنه يختص لبسه بحالة عدم غيره، فلم تجب به فدية، كالخفين المقطوعين. وحديث ابن عمر مخصوص بحديث ابن عباس وجابر. فأما القميص فيمكنه أن يتزر به من غير لبس، ويستتر، بخلاف السراويل».
وقال ابن تيمية في شرح العمدة (٤/ ٤٥٧ - ط عطاءات العلم): «إذا لم يجد إزاراً فإنه يلبس السراويل، ولا يفتقه بل يلبسه على حاله، وإذا لم يجد نعلين فإنه يلبس الخفين، وليس عليه أن يقطعهما، ولا فدية عليه. هذا هو المذهب المنصوص عنه في عامة المواضع، … ».