وأكثر العلماء يوجبون الفدية على المحرم إذا حلق شعر جسده أو اطلا أو حلق موضع المحاجم، وبعضهم يجعل عليه في كل شيء من ذلك دما، وقال داود: لا شيء عليه في حلق شعر جسده.
واختلفوا في موضع الفدية المذكورة، فقال مالك: يفعل ذلك أين شاء، إن شاء بمكة، وإن شاء ببلده، وذبح النسك والإطعام والصيام عنده سواء، يفعل ما شاء من ذلك أين شاء. وهو قول مجاهد والذبح ها هنا عند مالك: نسك وليس بهدي، قال: والنسك يكون حيث شاء، والهدي لا يكون إلا بمكة، وحجته في أن النسك يكون بغير مكة: حديثه عن يحيى بن سعيد، عن يعقوب بن خالد المخزومي، عن أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر، أنه أخبره أنه كان مع عبد الله بن جعفر، … »، فذكر حديث علي بن أبي طالب لما فدى عن الحسين بن علي بالسقيا، ثم قال:«فهذا واضح في أن الذبح في فدية الأذى جائز بغير مكة، وجائز عند مالك في الهدي إذا نحر في الحرم أن يعطاه غير أهل الحرم، لأن البغية فيه إطعام مساكين المسلمين، قال: ولما جاز الصوم أن يؤتى به في غير الحرم؛ جاز إطعام غير أهل الحرم. وقال أبو حنيفة والشافعي: الدم والإطعام لا يجزي إلا بمكة والصوم حيث شاء، وهو قول طاووس، قال الشافعي: الصوم مخالف للإطعام والذبح؛ لأن الصوم لا منفعة فيه لأهل الحرم، وقد قال الله: ﴿هديا بلغ الكعبة﴾، رفقا لمساكين الحرم جيران بيته، والله أعلم. وقد قال عطاء: ما كان من دم فبمكة، وما كان من إطعام أو صيام فحيث شاء. وعن أبي حنيفة وأصحابه أيضا مثل قول عطاء، وعن الحسن: أن الدم بمكة.
ذكر إسماعيل القاضي حديث علي حين حلق رأس حسين ابنه بالسقيا، ونسك عنه في موضعه، … ، ثم قال: هذا أبين ما جاء في هذا الباب، وأصحه، وفيه جواز الذبح في فدية الأذى بغير مكة»، ثم قال ابن عبد البر:«الحجة في ذلك: قول الله ﷿: ﴿ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله﴾، ثم قال: فمن كان منكم مريضا أو به أنى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك، ولم يقل في موضع دون موضع، فالظاهر أنه حيث ما فعل أجزأ، وقد سمى رسول الله ﷺ ما يذبح في فدية الأذى نسكا، ولم يسمه هديا، فلا يلزمنا أن نرده قياسا على الهدي، ولا أن نعتبره بالهدي، مع ما جاء في ذلك عن علي ﵁، ومع استعمال ظاهر الحديث في ذلك، والله أعلم».
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٢١/٤): «وقد روى هذا الحديث عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة جماعة، منهم: الشعبي، وأبو قلابة، ومجاهد، والحكم بن عتيبة، وغيرهم، وكلهم قال فيه: «انسك بشاة، أو صم ثلاثة أيام، أو أطعم»، … ، ثم ذكر بعض الروايات الشاذة وغيرها، ثم قال:«وهذا متعارض وأصح ما فيه: التخيير في النسك، والإطعام، والصيام».
وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (٣/ ٢٨٩ - ط الرسالة): «قوله تعالى: ﴿فَمَنْ