«احْلِقْ رَأْسَكَ، وَصُم ثلاثةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَساكينَ، فَرَقاً مِنْ زَبِيب، أَوِ انْسُكْ شَاةً»، فَحَلَقْتُ رَأْسِي، ثُمَّ نَسَكْتُ. [وهو حديث صحيح، دون ذكر الزبيب فإن شاذا].
• وروى أسامة بن زيد، عن محمد بن كعب القرظي، قال: سمعت كعب بن عجرة في مسجد الكوفة، قال: أمرني رسول الله ﷺ أَنْ أَحْلِقَ رَأْسِي وأفتدي بشاة [وهو حديث جيد].
ففي كل هذه الطرق التصريح بكونها شاة، وليس في شيء من صحيح الطرق أن كعباً زاد من عنده فأهدى بقرة، وهذا كاف في بيان ضعف طرق حديث نافع، من الجهتين جميعاً: فلا يثبت أن النبي ﷺ أمره أن يفدي ببقرة، ولا يصح أيضاً: أن كعباً فدى ببقرة، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
• ومما يؤيد هذا المعنى: الأمر في النسك بما تيسر، والشاة أقل ما تيسر؛ كما في الحديث الذي أخرجه البخاري (١٨١٥)، ومسلم (٨٢/ ١٢٠١)، من طريق: سيف بن سليمان، قال: سمعت مجاهداً، يقول: حدثني عبد الرحمن بن أبي ليلى: حدثني كعب بن عجرة رضي عنه، أن رسول الله ﷺ وقف عليه ورأسه يتهافت قملاً، فقال:«أيؤذيك هوامك؟»، قلت: نعم، قال:«فاحلق رأسك، قال: ففي نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فقال لي رسول الله ﷺ: صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفَرَقٍ بين ستة مساكين، أو انسك ما تيسر».
• كذلك فقد جاء ما يعارض رواية نافع هذه:
فقد ثبت عن الحسن البصري، أنه قال: سألت كعب بن عجرة، قلت: فيك أنزلت آية الرخصة، فكيف صنعت؟ قال: ذبحت شاةً. [يأتي ذكره في طرق حديث كعب، الطريق رقم (٩)، الحسن البصري عن كعب].
• قال ابن حزم في المحلى (٥/ ٢٣١): «وجاءت أخبار لا تصح، منها: من طريق الليث، عن نافع عن رجل أنصاري أن رسول الله ﷺ أمر كعب بن عجرة أن يحلق ويهدي بقرة. وهذا مرسل عن مجهول».
وقال أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد (٢/ ٢٣٧)(٢/ ٢٥٦ - ط الفرقان): «كلُّ مَنْ ذكر النسك في هذا الحديث مفسراً؛ فإنما ذكره بشاة، وهو أمر لا خلاف فيه بين العلماء». وذكر عبد الحق الإشبيلي في الأحكام الوسطى (٢/ ٣٠٥) رواية أبي داود هذه ثم قال: «والصحيح شاة».
وقال ابن حجر في الفتح (٤/١٨): قوله: باب: النسك شاة؛ أي: النسك المذكور في الآية؛ حيث قال: ﴿أَوْ نُسُكِ﴾، وروى الطبري من طريق: مغيرة، عن مجاهد في آخر هذا الحديث: فأنزل الله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكِ﴾ والنسك شاة. ومن طريق: محمد بن كعب القرظي، عن كعب: أمرني أن أحلق وأفتدي بشاة. قال عياض ومن تبعه تبعاً لأبي عمر [يعني: ابن عبد البر]: كل من ذكر النسك في هذا الحديث مفسراً فإنما