كانت حجامته ﵇ عام حجة الوداع فهي ناسخة لا محالة، لأنه لم يدرك بعد ذلك رمضان؛ لأنه توفي في ربيع الأول ﷺ، وإنما وجه النظر والقياس في ذلك بأن الأحاديث متعارضة متدافعة في إفساد صوم من احتجم، فأقل أحوالها أن يسقط الاحتجاج بها، والأصل أن الصائم لا يقضى بأنه مفطر إذا سلم من الأكل والشرب والجماع إلا بسنة لا معارض لها. ووجه آخر من القياس: وهو ما قال ابن عباس: الفطر مما دخل لا مما «خرج»، ثم استفاض في ذكر الأدلة المتعارضة في الباب فيما يفسد الصوم وما لا يفسده، وليس هذا موضع استيفاء هذه الأحاديث، بل موضعها كتاب الصوم.
وقال ابن تيمية في مجموع الفتاوى (٢٥/ ٢٥٢): «فإن العلماء متنازعون في الحجامة»، هل تفطر الصائم أم لا؟ والأحاديث الواردة عن النبي ﷺ في قوله:«أفطر الحاجم والمحجوم» كثيرة قد بينها الأئمة الحفاظ، وقد كره غير واحد من الصحابة الحجامة للصائم، وكان منهم من لا يحتجم إلا بالليل، وكان أهل البصرة إذا دخل شهر رمضان أغلقوا حوانيت الحجامين، والقول بأن الحجامة تفطر: مذهب أكثر فقهاء الحديث، كأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وابن خزيمة، وابن المنذر، وغيرهم، وأهل الحديث الفقهاء فيه العاملون به أخص الناس باتباع محمد ﷺ، والذين لم يروا إفطار المحجوم احتجوا بما ثبت في الصحيح: أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم، وأحمد وغيره طعنوا في هذه الزيادة، وهي قوله: وهو صائم، وقالوا: الثابت أنه احتجم وهو محرم، قال أحمد: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع الحكم حديث مقسم في الحجامة للصائم، يعني: حديث شعبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم. قال مهنا: سألت أحمد عن حديث حبيب بن الشهيد عن ميمون بن مهران عن ابن عباس: أن النبي ﷺ احتجم وهو صائم محرم؟ فقال: ليس بصحيح، وقد أنكره يحيى بن سعيد على الأنصاري. قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله رد هذا الحديث فضعفه، وقال: كانت كتب الأنصاري ذهبت في أيام المنتصر [لعله يعني: فتنة المبيضة]، فكان بعد يحدث من كتب غلامه، وكان هذا من تلك. وقال مهنا: سألت أحمد عن حديث قبيصة عن سفيان عن حماد عن سعيد بن جبير عن ابن عباس إلخ؟ فقال: هو خطأ من قبل قبيصة. وسألت يحيى عن قبيصة فقال: رجل صدق والحديث الذي يحدث به عن سفيان عن سعيد خطأ من قبله. قال مهنا: سألت أحمد عن حديث ابن عباس: أن النبي ﷺ احتجم وهو محرم صائم؟ فقال ليس فيه: صائم؛ إنما هو محرم، ذكره سفيان عن عمرو بن دينار عن طاووس عن ابن عباس احتجم النبي ﷺ على رأسه وهو محرم، وعن طاووس وعطاء مثله عن ابن عباس، وعن عبد الرزاق عن معمر عن ابن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله، وهؤلاء أصحاب ابن عباس لا يذكرون: صائما.
قلت: وهذا الذي ذكره الإمام أحمد هو الذي اتفق عليه الشيخان البخاري ومسلم، ولهذا أعرض مسلم عن الحديث الذي ذكر حجامة الصائم، ولم يثبت إلا حجامة المحرم.