اختلفوا في حديث: محمد بن زياد، قال حدثنا أبو هريرة، قال: قال محمد ﷺ: «أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحوّل الله رأسه رأس حمار»، فقال بعضهم:«صورته صورة حمار»، وقال بعضهم:«وجهه وجه حمار» [أخرجه البخاري (٦٩١)، ومسلم (٤٢٧)]، قال القاضي عياض:«هذه الروايات متفقة؛ لأن الوجه من الرأس ومعظم الصورة فيه» [إكمال المعلم (٢/ ٣٤١). الفتح لابن حجر (٢/ ١٨٣). شرح ابن رسلان على سنن أبي داود (٤/٤٨). المنهل العذب المورود (٥/١١)].
وقال العلامة ابن باز رحمه الله تعالى في تفسير آية الحجاب:«لأن الوجه من الرأس الذي يجب تخميره عقلاً وشرعاً وعرفاً، ولا يوجد أي دليل يدل على إخراج الوجه من مسمى الرأس في لغة العرب» [مجموع فتاوى ابن باز (٥/ ٢٢٧)].
قلت: لكن كثر في الاستعمال عطف الوجه على الرأس كلاً بصفة أو اختصاص أو حكم، وعندئذ يختلفان في الحكم، مثل: الوضوء، وبعض أحكام المرأة، والجنايات، ومن فرق بين الوجه والرأس في الإحرام قياساً على تفريق الله تعالى بين الوجه والرأس في الوضوء [كالشافعي وغيره، انظر: الأم (٨/ ٦٧٦)]، فهو قياس مع الفارق؛ فإن أحكام الوضوء تختص بكل عضو بما يناسبه من الغسل والمسح، بما اقتضاه الأمر الشرعي، لرفع الحدث واستباحة الصلاة، وذلك بخلاف الإحرام فإن النبي ﷺ لما سئل عما يلبس المحرم، فلم يعرض للوجه بشيء، وذلك لكون الوجه مكشوفاً في العادة، ولا يغطى إلا لعارض، بخلاف الرأس فإنه عادته التغطية، فحينئذ نهى النبي ﷺ عن لبس ما يغطي الرأس منفصلاً أو متصلاً؛ كالعمامة والبرنس، فلما سئل عمن وقصته دابته وهو محرم، نهى عن تغطية رأسه ووجهه معاً؛ لأن هذا هو حالهما حال الإحرام، ولا يغطيان إلا لعارض، ثم علل ذلك بقوله: فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً؛ للدلالة على بقاء الإحرام بعد الموت، فما هو وجه الشبه بينهما في الوضوء والإحرام؟ حتى يقاس الإحرام على الوضوء، ففي الوضوء يغسل الوجه ويمسح الرأس بالماء لرفع الحدث واستباحة الصلاة، وفي الإحرام يكشف الرأس ليكون شعاراً للمحرم، ويبقى الوجه على أصله المعتاد من الكشف، فلم يحتج لإعطائه حكماً جديداً لما سئل بالمدينة عما يلبس المحرم، فلما مات المحرم نبه على بقاء إحرامه على ما سبق بيانه، بخلاف الوضوء والطهارة، وعندئذ نحتج بقول الشافعي نفسه: لا تقاس شريعة على شريعة، وذلك حين قال الشافعي في كتاب الرد على مالك، من كتاب الأم (٨/ ٥٧٨) حين أراد الرد على من احتج بقول ابن عمر: لا يصوم أحد عن أحد، ولا يصلي أحد عن أحد، بأن لا يحج أحد عن أحد، فقال الشافعي:«هذا شريعة وهذا شريعة … أفرأيتم إن قال لكم قائل: أنتم تزعمون أن الحج في معنى الصلاة والصوم، وقد أمر النبي ﷺ امرأة أن تحج عن أبيها؟ فأنا أمر الرجل أن يصلي عن الرجل ويصوم عنه؛ هل الحجة عليه إلا أنه لا تقاس شريعة على شريعة؟»، وكذلك هنا لا نقيس شريعة الحج على شريعة الوضوء.