للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

فإن قيل: يحمل النهي على التنزيه دون التحريم. قيل له: لا يمكن ذلك؛ لأن النبي بدأ بالنهي عن القفازين، ثم عطف النقاب وما مسه الورس والزعفران، والنهي عن النقاب والورس نهي تحريم، كذلك القفازان المعطوف عليهما. [قلت: ثبت العرش ثم انقش].

ولأنهما إذا لم يحرما عليها لم يكره ذلك، كما لا يكره لبس المخيط والخفين.

والقياس: أنه عضو يلحقه حكم التيمم، أو يباح لمن أراد نكاحها رؤيته، فوجب أن يتعلق به حكم الإحرام في اللباس، كالوجه. [قلت: وهذا قياس مع الفارق، ولا وجه للشبه هنا؛ فما هو وجه الإلحاق بين الكشف لأجل النسك، والكشف لأجل النكاح، أو التيمم] … .. ، ثم ذكر أقيسة هي أضعف من هذا.

وقال أبو يعلى أيضاً في التعليقة الكبيرة (١/ ٣٥٦): «مسألة: للمحرم أن يغطي وجهه في أصح الروايتين: رواهما حنبل وابن مشيش عنه في محرم مات: يغطي وجهه، ولا يغطي رأسه. وكذلك نقل حنبل عنه، وقد سئل عن المحرم: يغطي وجهه؟ قال: لا بأس بذلك. وكذلك نقل أبو داود عنه: يغطي وجهه وحاجبيه. وبهذا قال الشافعي. وفيه رواية أخرى: لا يغطي وجهه. رواها ابن منصور وإسماعيل بن سعيد الشالنجي في المحرم يموت: لا يغطى رأسه، ولا وجهه. وأومأ إليه أيضاً في رواية أبي طالب: يخمر أسفل من الأنف، ووضع يده على فمه دون أنفه يغطيه من الغبار. وبهذا قال أبو حنيفة. وقال مالك: لا يغطي وجهه، فإن غطاه فلا فدية عليه. ومن أصحابه من قال: فيها روايتان.

وجه الرواية الأولى: ما روى أحمد في المسند، قال: ثنا هشيم، قال: أنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أن رجلاً كان مع النبي فوقصته ناقته، وهو محرم فمات، فقال رسول الله : «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تمسوه بطيب، ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً».

فوجه الدلالة: أنه خص الرأس بالكشف، فدل على أن الوجه مخالف له؛ لأنهما لو كانا سواء لما خص الرأس، ولم يؤخر البيان عن وقت الحاجة».

قلت: سبق أن بينت أن الوجه هنا داخل في مسمى الرأس، فلا يأخذ حكماً يخالفه، بل يبقى على أصله الغالب، وهو الكشف، فهو مسكوت عنه إما لدخوله في مسمى الرأس، وإما لبقائه على أصله، ولما كانت العادة الغالبة على البشر كشف وجوههم لم يحتج لذكره، فإن قيل: فأنت تثبت زيادة الوجه في الحديث؟ فيقال: ذكر على سبيل التوكيد، لأجل التنبيه على أن حكم المحرم الميت كحكم المحرم الحي في محظورات الإحرام، فكما كان في حال الحياة كاشفاً عن رأسه لأجل الإحرام، فيكشف كذلك في حال الموت، وكما كان وجهه مكشوفاً في حال الحياة على سبيل العادة، فيبقى على أصله؛ فلم يتغير حكمه بعد الموت، والله أعلم.

ومما وقفت عليه من كلام العلماء في دخول الوجه في مسمى الرأس: أن الناس قد

<<  <  ج: ص:  >  >>