للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

مات محرماً أن لا يخمر وجهه ولا رأسه، رويناه من طرق جمة: منها من طريق مسلم، قال: حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس؛ أن رجلاً أوقصته راحلته وهو محرم فمات، فقال رسول الله : «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا وجهه ولا رأسه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً».

قال أبو محمد: إن الحياء لفضيلة، وكما أخبر رسول الله أنه من الإيمان، وهم أول مخالف لهذا الحديث، وأول عاص لرسول الله فيه؛ فلا يرون فيمن مات محرماً أن يكشف رأسه ووجهه؛ بل يغطون كل ذلك، ثم يحتجون به في أن لا يغطي الحي المحرم وجهه، ونعوذ بالله من الخذلان.

ويقولون: إن الصاحب إذا روى خبراً وخالفه فهو دليل على نسخ ذلك الخبر عندهم، فابن عباس هو روى هذا الخبر، وهو رأي للمحرم الحي أن يخمر وجهه؛ فأين ذلك الأصل الخبيث الذي تعلقوا به في رد السنن.

قال علي: ونحن نقول: إن الحي المحرم لا يلزمه كشف وجهه، وإنما يلزمه كشف رأسه فقط؛ فإذا مات أحدث الله تعالى له حكماً زائداً وهو أن لا يخمر وجهه ولا رأسه، ولا يسأل عما يفعل، والقياس ضلال، وزيادة في الدين شرعاً لم يأذن به الله تعالى.

قال علي: لو كان تغطية المحرم وجهه مكروهاً أو محرماً لبينه رسول الله ، فإذ لم ينه عن ذلك فهو مباح، وبالله تعالى التوفيق».

وقال القاضي أبو يعلى في التعليقة الكبيرة (١/ ٣٣٧): «مسألة: لا يجوز للمحرمة لبس القفازين: نص عليه في رواية ابن منصور، وهو قول مالك. وقال أبو حنيفة: لها ذلك. وللشافعي قولان: أحدهما: هو مثل قولنا. والثاني: مثل قول أبي حنيفة.

دليلنا: ما روى أحمد في المسند بإسناده عن نافع، عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله ينهي النساء في الإحرام عن القفاز والنقاب، وما مس الورس والزعفران من الثياب [قلت: هو حديث ابن إسحاق، وسبق بيان أن الصحيح وقفه على ابن عمر قوله].

وروى ابن المنذر عن الليث بن سعد، عن النبي ، قال: «لا تنتقب المرأة الحرام، ولا تلبس القفازين» [قلت: وهذا مدرج، تقدم بيانه].

وهذا نهي، والنهي يدل على التحريم. فإن قيل: هذه الأخبار غير مشهورة، ولا نعرفها.

قيل له: حديث ابن عمر مشهور رواه أحمد في مسنده وأبو داود، وحديث الليث رواه ابن المنذر [قلت: حديث الليث بن سعد هو عن نافع عن ابن عمر، وهو في سنن أبي داود أيضاً، بل هو في صحيح البخاري، وقد نبه البخاري على إدراج هذه الزيادة فيه، وعزوه إلى البخاري وأبي داود أولى من عزوه لابن المنذر، ثم إن شهرة الحديث لا يعول عليها، وإنما المعول عليه: أن يكون الحديث صحيحاً غير معلول].

<<  <  ج: ص:  >  >>