ما استعلى من الجبهة واتصل بقصاص الشعر الذي لا يمكن للمرأة ستر رأسها بالقناع، إلا بشده؛ لأن ما لم يمكن ستر العورة إلا به فهو كالعورة في وجوب ستره، فإن سترت سوى ذلك من وجهها، بما يماس البشرة فعليها الفدية قليلاً كان أو كثيراً، ولو غطته بكفيها لم تفتد، كالرجل يفتدي إذا غطى رأسه، ولا يفتدي إذا غطاه بكفيه، فإن أسدلت على وجهها ثوباً من غير أن يماس البشرة جاز ذلك أن تأخذ ثوباً فتشده عند قصاص الشعر كالكور، وتسدل عليه الثوب وتمسكه بيديها حتى لا يماس وجهها، فإنما جاز ذلك، لما روى مجاهد عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أقبل الراكب يأمرنا أن نسدل على وجوهنا سدلاً. ولأن للمحرم أن يظلل فوق رأسه ويغطيه، كذلك المحرمة في وجهها. [قد سبق الرد على ذلك].
والرابع: لبس القفازين في كفيها، فيه قولان منصوصان:
أحدهما: قاله في هذا الموضع فلها لبسهما، ولا فدية عليها فيها، وبه قال: سعد بن أبي وقاص، وأبو حنيفة؛ لأن رسول الله ﷺ لما جعل حرم المرأة في وجهها [قلت: إنما هو موقوف على ابن عمر]، دل على انتفائه عن سائر بدنها.
ولأنه شخص محرم، فوجب أن يتعلق حرمه بموضع واحد من بدنه كالرجل، ولأن الإحرام لو منع من تغطية كفيها بالقفازين، لمنع من تغطيتها بالكمين، كالوجه الذي لا يحرم تغطيته بشيء دون شيء، فلما جاز تغطية كفيها بالكمين، جاز بالقفازين.
والقول الثاني: نص عليه في القديم والأم: ليس لها لبسهما، فإن لبستهما أو أحدهما فعليها الفدية، وبه قالت: عائشة، وابن عمر، لرواية ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى أن تنتقب المرأة وهي محرمة وتلبس القفازين [صوابه: موقوف على ابن عمر]. ولأن ما ليس بعورة من الحرة، يقتضي أن يتعلق الإحرام به كالوجه؛ لأن الرجل لما يتعلق حكم الإحرام برأسه في وجوب كشفه تعلق بسائر بدنه في المنع من لبس المخيط فيه مع جواز تغطيته، كذلك المرأة لما تعلق حكم الإحرام بوجهها في وجوب كشفه وجب أن يتعلق حكمه بموضع من بدنها في المنع من لبس المخيط فيه مع جواز تغطيته». [وانظر: شرح البخاري لابن بطال (٤/ ٢١٨)].
وقال ابن حزم في المحلى (٥/ ٦٧): «وروينا عن عائشة أم المؤمنين: نهي المرأة عن القفازين، وعن علي، وابن عمر أيضاً، وهو قول إبراهيم، والحسن، وعطاء، وغيرهم.
وروينا عن عائشة أم المؤمنين، وعن ابن عباس: إباحة القفازين للمرأة، وهو قول الحكم، وحماد، وعطاء، ومكحول، وعلقمة، وغيرهم؛ وحديث رسول الله ﷺ الذي ذكرنا هو الحاكم على ما سواه».
قلت: ذلك؛ لو ثبت رفعه، لكن المحفوظ فيه الوقف، فتعارضت عندنا أقوال الصحابة.
وقال ابن حزم أيضاً في المحلى (٥/ ٧٨)(٧/ ٥١٩ - ط بشار): «ولا بأس أن يغطي