أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: تدلي عليها من جلبابها ولا تضرب به، قلت: وما لا تضرب به؟ فأشار إليَّ كما تجلبب المرأة، ثم أشار إلى ما على خدها من الجلباب، فقال: لا تغطيه فتضرب به على وجهها، فذلك الذي يبقى عليها، ولكن تسدله على وجهها كما هو مسدولاً، ولا تقلبه، ولا تضرب به، ولا تعطفه. أخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن ابن طاووس عن أبيه، قال: لتدل [ويحتمل أن يكون لتسدل] المرأة المحرمة ثوبها على وجهها ولا تنتقب.
قال الشافعي: ولا ترفع الثوب من أسفل إلى فوق، ولا تغطي جبهتها ولا شيئاً من وجهها إلا ما لا يستمسك الخمار إلا عليه ممّا يلي قصاص شعرها من وجهها مما يثبت الخمار ويستر الشعر؛ لأن الخمار لو وضع على قصاص الشعر فقط انكشف الشعر، ويكون لها الاختمار، ولا يكون للرجل التعمم».
وقال الربيع في الأم (٨/ ٦٧٤): «سألت الشافعي: أيخمر المحرم وجهه؟ فقال: نعم، ولا يخمر رأسه. وسألته عن المحرم يُصطاد من أجله الصيد؟ قال: لا يأكله، فإن أكله فقد أساء، ولا فدية عليه. فقلت: وما الحجة؟ فقال: … »، فذكر الآثار الواردة عن ابن عمر، ثم من خالفه عن عثمان وزيد بن ثابت ومروان بن الحكم، ثم قال:«فإن كنت ذهبت إلى أن عثمان وابن عمر اختلفا في تخمير الوجه، فكيف أخذت بقول ابن عمر دون قول عثمان؟ ومع عثمان زيد بن ثابت ومروان، وما هو أقوى من هذا كله؟ قلت: وما هو؟ قال: أمر النبي ﷺ بميت مات محرماً أن يكشف عن رأسه دون وجهه، ولا يقرب طيباً، ويكفن في ثوبيه اللذين مات فيهما، فدلت السنة على أن للمحرم تخمير وجهه، وعثمان وزيد رجلان، وابن عمر واحد، ومعهما مروان، فكان ينبغي عندك أن يكون هذا أشبه بالعمل، وبدلالة السنة، وعمل الخليفة وزيد ثم مروان بعدهما» … ، ثم أطال الشافعي في الاحتجاج على صحة قوله.
• وراجع من كلامي ما يبين ضعف هذا القول، ويبين ذلك أيضاً من وجهين: الأول: ثبوت زيادة الوجه في حديث ابن عباس من جهة الصناعة الحديثية ثم بقول جماعة من كبار النقاد مثل مسلم والنسائي وأبي عوانة وابن حبان، والثاني: وجود مانع من موانع إعمال مفهوم المخالفة، وهو ما وافق العادة وجرى عليها؛ إذ جرت العادة لغير المحرم بتغطية الرؤوس وكشف الوجوه؛ فلما دل الدليل على منع المحرم من تغطية الرأس بالعمامة والبرنس، بقي حكم الوجه على أصله مكشوفاً؛ إعمالاً لقاعدة أن الأصل بقاء ما كان على ما كان، فإن احتاج لتغطيته غطاه، فالمسكوت عنه هنا وهو الوجه لا يصح أن نقول بأن مفهوم النص دل على تغطيته بل سكت عنه النص لبقائه على أصله الغالب وهو الكشف، إلا لحاجة عرضت، والله أعلم.
• وقال أبو داود في مسائله لأحمد (٨٢٨): «قلت لأحمد: المحرم يغطي وجهه؟ قال: نعم. قلت: يغطي الحاجبين؟ قال: نعم. قلت: يغطي المحرم أذنيه؟ قال: لا»،