وفي المقابل: فقد ثبت عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول: ما فوق الذقن من الرأس، فلا يخمره المحرم.
وفي رواية: كان عبد الله يكره أن يخمر المحرم وجهه، ويقول: ما فوق الذقن فهو من الرأس.
• وثبت عن ابن عمر أيضا: أنه كفن ابنه واقد بن عبد الله، ومات بالجحفة محرما، وخمر رأسه ووجهه، وقال: لولا أنا حرم لطيبناه.
وفي رواية: أنه غسل ابنا له مات وهو محرم، يقال له واقد، فغطى رأسه، وصنع به ما يصنع بالحلال إلا أنه لم يمسه طيبا، لأنهم كانوا محرمين.
وقد قلت هناك: وفعل ابن عمر يدل على أنه بموته قد خرج من إحرامه، فيكفن كما يكفن غير المحرم، وبهذا يظهر أن ابن عمر ممن كان يرى التفرقة في أحكام الإحرام بين الحياة والموت؛ فكأنه لم يبلغه حديث ابن عباس في حكم المحرم إذا مات.
• قلت: ومجموع ما ثبت مرفوعا وموقوفا يدل على وجود فارق بين الحي والميت في شأن تغطية الوجه، أما الحي: فإنه يحتاج لتغطية وجهه لأجل النوم، والغبار، والريح، والذباب، ونحو ذلك [كما ثبت في بعض الآثار]، مما يحتاجه المحرم لدفع ضر أو جلب نفع، مما يعرض له في السفر والحضر؛ إذ الأصل كشف الوجه مع الرأس للمحرم، إذ هي العادة الجارية للرجال من بني آدم في كشف وجوههم إلا من عارض يعرض، وإنما يغطيه المحرم فقط لأجل حاجة عرضت، وأما الميت فإنه إذا كفن وأخرج رأسه من الكفن خرج معه وجهه، فكأن خروج الوجه مع الرأس في تكفين المحرم أمر يوافق حال المحرم المعتاد في كشف رأسه ووجهه، باستثناء الحالة العارضة التي تعرض للحي مما يحتاج معها لتغطية الوجه وتنتفي هذه الحاجة مع الموت، والله أعلم.
ومن أقوال الفقهاء في هاتين المسألتين في تغطية الوجه للمرأة والرجل:
• قال في المدونة (١/ ٤٦٤): «قلت لابن القاسم: إحرام الرجل في وجهه ورأسه عند مالك سواء؟ قال: نعم. قلت: وإحرام المرأة في وجهها؟ قال: نعم». [وانظر:](٢/ ٤٦٢) المدونة
وقال محمد بن الحسن الشيباني في موطئه (٤١٨) بعد أثر عثمان، ثم أثر عمر ما فوق الذقن من الرأس؛ فلا يخمره المحرم، قال:«وبقول ابن عمر نأخذ، وهو قول أبي حنيفة، والعامة من فقهائنا رحمهم الله تعالى».
• وقال الشافعي في الأم (٣/ ٣٧٠): «وتفارق المرأة الرجل فيكون إحرامها في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه، فيكون للرجل تغطية وجهه كله من غير ضرورة، ولا يكون ذلك للمرأة، ويكون للمرأة إذا كانت بارزة تريد الستر من الناس أن ترخي جلبابها أو بعض خمارها أو غير ذلك من ثيابها من فوق رأسها، وتجافيه عن وجهها، حتى تغطي وجهها متجافيا، كالستر على وجهها، ولا يكون لها أن تنتقب.