للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

عليه ثوبان معصفران، وهو محرم، فقال: في هذين عليَّ بأس؟ قال: فيهما طيب؟ قال: لا، قال: لا بأس. وروى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن نافع، قال: كن - نساء ابن عمر وبناته - يلبسن الحلي المعصفرات وهن محرمات لا ينكر ذلك عبد الله.

فإن قيل: فقد روى النجاد بإسناده عن نافع: أن ابن عمر كان يكره المعصفر للمحرم. قيل له: قد نقلنا عنه ما يدل على إباحته، ويحتمل أن يكون كره ذلك مخافة أن يراه الجاهل، فيظن جواز سائر الأصباغ مما فيها طيب وغيره، ثم نقل الآثار الدالة على إباحة لبس المعصفر عن جابر، وعائشة، ثم اعترض عليه بما روي عن عائشة في المنع من ذلك، ثم قال: «قيل له: تحمل كراهتها لئلا يظن الجاهل أن جميع الأصباغ التي فيها الطيب يجوز لبسها»، ثم أورد أثر عائشة بنت سعد عن أزواج النبي أنهن كن يحرمن في المعصفرات، ثم قال: «والقياس: أن كل ثوب يجوز للمحرم لبسه إذا لم ينفض، جاز لبسه وإن كان ينفض عليه».

قلت: وفي هذا معارضة لنص صحيح صريح فيما أخرجه مسلم والنسائي من حديث علي بن أبي طالب في النهي عن لبس المعصفر المقدَّم المشبع، وهذا النهي عام يتناول المحرم والحلال سواء، فكان من جمع بين النصوص أسعد بسنة رسول الله ، حيث أعمل النصين جميعاً فأباح المعصفر غير المشبع الذي لا ينفض جمعاً بين النصوص، ثم أطال أبو يعلى في استعمال علم الجدل للرد على خصومه بما لا يعود بكبير فائدة.

إلى أن قال: «واحتج المخالف بما روي عن النبي : أنه نهى عن لبس المعصفر في الإحرام. [قلت: ولا يثبت هذا أيضاً].

والجواب: أن هذا - إن ثبت - فقد روينا عن علي: أنه قال: لم ينهك، ولا إياه، إنما نهاني، فيحمل النهي إليه خاصاً. [قلت: وهذا حديث منكر؛ لا يجوز الاحتجاج به].

وعلى أنا نحمله على الاستحباب؛ لأن المستحب لبس البياض في الإحرام»، … إلى آخر ما قال.

ومن العجيب أن ابن تيمية قد غلط القاضي فيما نسبه إلى المذهب في هذه المسألة، فقال في شرح العمدة (٤/ ٥٣٤ - ط عطاءات العلم): «فأما الرجل فإنه يكره له المعصفر في الإحرام والإحلال، كما نص عليه أحمد في غير موضع، وقد تقدم هذا. وقد زعم بعض أصحابنا أنه لا يكره للرجال ولا للنساء، وحمل حديث علي على الخصوص به، وهذا هو الذي ذكره القاضي في خلافه في هذا الموضع وطائفة معه. وهو خلاف المنصوص، وخلاف ما ذكره في غير هذا الموضع، وهو غلط على المذهب»، إلى أن قال بعد ذكر الآثار الدالة على إباحة لبس المعصفر للمحرم من الرجال: «وهذا يحمل على غير المشبع بحيث يكون رقيق الحمرة، فإن المكروه منه المشبع، وإلا فقد تقدمت سنة رسول الله في نهي الرجال عن المعصفر، وهي تقضي على كل أحد» [شرح العمدة (٤/ ٥٣٩ - ط عطاءات العلم)]، وهو نفس ما ذهب إليه مالك؛ حيث قال: «وإنما يكره

<<  <  ج: ص:  >  >>