النبي ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب، ويلبسن ما شئن من ألوان الثياب من معصفر وخز وحلي. وروى أبو جعفر محمد بن علي، قال: أبصر عمر بن الخطاب-﵁ على عبد الله بن جعفر ثوبين مضرجين وهو محرم، فقال: ما هذه الثياب؟ فقال علي بن أبي طالب: ما إخال أحداً يعلمنا السنة، فسكت عمر. وروي عن القاسم بن محمد؛ أنه سأل عائشة: ماذا تلبس المحرمة من الثياب؟ قالت عائشة: كلبس معصفرها، وحريرها، وحليها. فعلي إنما أشار إلى سنة رسول الله ﷺ، وعائشة إنما أقرت بما شاهدت من إقرار رسول الله ﷺ. ولأنه مصبوغ بما لا يتخذ طيباً، فوجب أن لا يمنع منه المحرم، كالمصبوغ بالحمرة والصفرة، ولأنه معصفر، فوجب ألا يلزم بلبسه الفدية، قياساً على ما لا ينفض، وأما جمعهم بين المعصفر والمزعفر، فغير صحيح؛ لأن الزعفران طيب في الغالب، والعصفر ليس بطيب».
ثم قال الماوردي (٤/ ١١٢): «مسألة: قال الشافعي ﵁: وإن مس طيباً يابساً لا يبقى له أثر، وإن بقي له ريح، فلا فدية.
قال الماوردي: وهذا صحيح، إذا مس المحرم طيباً يابساً بيده عامداً فإن لم يبق له أثر ولا رائحة فلا فدية عليه، وإن بقي له أثر ورائحة فعليه الفدية، وكذلك لو بقي أثره دون رائحة فعليه الفدية. فأما إذا بقيت رائحته دون أثره، فقد قال الشافعي ها هنا: لا فدية عليه. ونقله المزني من كتاب الأوسط. وقال في الأم: فإن مس طيباً يابساً لا يبقى له أثر في يده ولا رائحة كرهة ولم أر عليه الفدية. فظاهر ذلك: أنه إذا بقيت الرائحة، ففيه الفدية، واختلف أصحابنا. فكان أكثرهم يخرجون ذلك على قولين: أحدهما: عليه الفدية لأن المقصود هو الرائحة. والقول الثاني: لا فدية عليه؛ لأن الرائحة عن مجاورة، وكان بعضهم يقول: لا فدية عليه في الرائحة قولاً واحداً، على ما نص عليه الشافعي في هذا الموضع، لأن ما قاله في الأم محتمل».
وقال ابن حزم في المحلى (٥/ ٦٨): «وأما المعصفر فقد روينا عن عمر بن الخطاب المنع منه جملة، وللمحرم خاصة أيضاً عن عائشة أم المؤمنين، وهو قول الحسن وعطاء.
وروينا عن جابر بن عبد الله، وابن عمر، ونافع بن جبير: إباحته للمحرم، ولم يبحه أبو حنيفة ومالك للمحرم، وأباحه الشافعي.
وروينا عن ابن عمر وابن عباس، وعلي، وعقيل ابني أبي طالب، والقاسم بن محمد، وغيرهم، إباحة المورد للرجل المحرم، وهو مباح إذا لم يكن بزعفران، أو ورس، أو عصفر؛ لأنه لم يأت عنه نهي في قرآن ولا سنة». هكذا قال، وفي بعض ما قاله نظر.
وقال القاضي أبو يعلى الفراء في التعليقة الكبيرة (١/ ٣٨٤): «مسألة: إذا لبس المحرم ثوباً مصبوغاً بعصفر جاز له ذلك، ولا فدية عليه:
نص عليه في رواية حنبل، فقال: لا بأس أن يلبس المحرم الثوب المصبوغ ما لم يمسه ورس ولا زعفران، وإن كان غير ذلك فلا بأس، ولا بأس أن تلبس المحرمة الحلي والمعصفر.