من أسباب اختصار الرواية والاقتصار على بعضها، ومما يجدر الإشارة إليه هنا أن البخاري نفسه لما أخرج في صحيحه هذا الحديث من طريق زهير، ثم من طريق إسرائيل، وبينهما اختلاف ظاهر في مسألتين: الأولى: الرفع والوقف في قوله: «إن هاتين الصلاتين حوّلتا عن وقتهما في هذا المكان المغرب والعشاء، فلا يقدم الناس جمعاً حتى يُعتموا، وصلاة الفجر هذه الساعة»، رفعه إسرائيل، وأوقفه زهير، جعله من قول عبد الله.
والثانية: عدم ذكر فاصل بين الصلاتين سوى العشاء؛ في رواية إسرائيل، حيث قال: ثم قدمنا جمعاً فصلي الصلاتين كل صلاة وحدها بأذان وإقامة والعشاء بينهما، بينما قال زهير: فأمر رجلاً فأذن وأقام، ثم صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، ثم دعا بعشائه فتعشى، ثم أمر - أرى - فأذن وأقام - قال عمرو: لا أعلم الشك إلا من زهير ـ، ثم صلى العشاء ركعتين؛ فأثبت صلاة ركعتين نافلة بعد فريضة المغرب، ثم تعشى، ثم صلى العشاء ركعتين.
ومع ذلك فإن البخاري لم يترجم ولم يتعقب إحدى الروايتين بما يدل على ترجيح شيء من ذلك، وكأنه رأى الأمر في هذا واسع، أو هو من قبل أبي إسحاق نفسه، وسيأتي تحقيق الكلام عن كل منسك من هذا الحديث في موضعه من السنن إن شاء الله تعالى، ومرادي هنا من ذكر ذلك: احتمال وجود زيادة في الحديث من فعل ابن مسعود أثبتها بعض الرواة دون بعض، ولا يكون لها تأثير على المرفوع، ولا لها علاقة بالسنة في النسك، سوى أنها فقط اجتهاد من ابن مسعود في الرد على من خالف السنة، كما اجتهد في العشاء بين الصلاتين، لاسيما وقد وجد ما يدل على كون ابن مسعود قال هذه الكلمة في التلبية رداً على من نسي السنة، أو جهلها، لا أنه يخبر بما كان يلبي به النبي ﷺ، ولهذا قال عبد الرحمن بن يزيد:«لم أسمعه قالها قبل ولا بعدُ»، وإنما قالها ابن مسعود إنكاراً على من أنكر عليه التلبية عند الدفع من عرفة، وقال ابن مسعود أيضاً: أنسي الناس أم ضلّوا؟
ففي رواية حصين، عن كثير بن مدرك الأشجعي، عن عبد الرحمن بن يزيد؛ أن عبد الله لبي حين أفاض من جمع، فقيل: أعرابي هذا؟ فقال عبد الله: أنسي الناس أم ضلوا؟! سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المكان:«لبيك اللهم لبيك»[أخرجه مسلم، وتقدم].
وابن مسعود في هذه الرواية الصحيحة يذكر التلبية التي لزمها رسول الله ﷺ، وتابع في ذلك ما رواه ابن عمر، وجابر، وعائشة.
وقد وقع هذا الإنكار أيضاً: في حديث عبد الله بن سخبرة، عن ابن مسعود، وموضع الشاهد منه؛ قوله: أجهل الناس أم نسوا؟ والذي بعث محمداً بالحق، لقد خرجت مع رسول الله ﷺ من منى إلى عرفة، فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة، إلا أن يخلطها بتهليل أو تكبير. [ويأتي تخريجه في باب: متى يقطع التلبية؟، وهو الباب الآتي إن شاء الله تعالى].