فقد حكى اتفاقهما على أن ذلك يجزئ عن حجة الإسلام، وأفتى بذلك، وإنما اختلفا في الإجزاء عن النذر.
والثانية:«لا يجزئ عن الفرض، قال في رواية ابن القاسم في الرجل يحج ينوي التطوع: فالحج والصوم سواء لا يجزئ إلا بنية. وهذا اختيار أبي بكر؛ لأن النبي ﷺ قال: «وإنما لكل امرئ ما نوى»، ولأنها إحدى العبادات، فلا تجزئ عن الفرض بنية النفل، كالصوم والصلاة. وهذه الرواية مترددة بين صحة النفل - وعلى ذلك حملها القاضي - وبين فساد الإحرام، … »، إلى آخر كلامه.
وقال ابن الملقن في التوضيح (١١/ ٢٥): «فلا حجة فيه لمن تعلق به، وهو حديث معلول. والصحيح أنه موقوف على ابن عباس، وكذا قال أحمد: الصواب وقفه عليه، وأعله بعضهم بالإرسال، والذي يصح في هذا المعنى عن رسول الله ﷺ من رواية ابن عباس أنه سئل عن رجل لم يحج، أيحج عن غيره؟ فقال: «دين الله جل وعز أحق أن يقضيه»، وليس فيه أنه لو أحرم عن غيره كان ذلك الإحرام عن نفسه».
وقال الطرطوسي: وهو حجة على من قال به؛ لأن قوله:«حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة»، وفي لفظ:«اجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة»، دليل على أنه كان انعقد عن شبرمة، فلو كان قد وقع هذا عن نفسه كما زعمتم كيف يقول له: حج عن نفسك؟! غير أن هذا كان في عام الفتح [قلت: لعل سبق قلم؛ إنما كان في حجة الوداع]؛ لأنه ﵇ فسخ حجهم إلى عمرة، وإن خالف الشافعي في الفسخ، فقد رده عليه المتقدمون والمتأخرون والفقهاء والمحدثون، والجماعة مطبقون على أن هذا كان عام الفتح العل سبق قلم، فلما جاز فسخ الحج إلى العمرة جاز فسخه من شخص إلى شخص.
فإن قلت: أراد بقوله: «اجعل هذه عن نفسك» التلبية لا الإحرام. قلت: هذا غلط؛ لأنه قال:«أحججت عن نفسك؟» وهو صريح في الحج دونها.
قلت: الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه بإسناد على شرط الصحيح بلفظ: «حج عن نفسك»، ورواية ابن حبان في صحيحه:«فاجعل هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة»، قال البيهقي: إسناده صحيح ليس في الباب أصح منه، وصححه ابن القطان أيضاً عنه، وحمله بعضهم على الندب عملاً بقوله:«ابدأ بنفسك ثم بمن تعول»، وفي رواية للدارقطني: وها هنا بدل شبرمة نبيشة، والصواب شبرمة.
وما سلف من الجواز هو: قول الحسن، وإبراهيم، وأيوب وجعفر بن محمد، وأبي حنيفة، ومالك، وحكي عن أحمد أيضاً مثله. وقال الأوزاعي والشافعي وإسحاق: لا يجوز، ويقع إحرامه عن حجة الإسلام، وعن ابن عباس: يقع الحج باطلاً، ولا يصح عنه ولا عن غيره.
ونقل العراقي في طرح التثريب (٢/ ١٧) الاختلاف الوارد في المسألة وناقش بعض الأدلة، وكان مما قال: «وقد ذهب محمد بن جرير الطبري إلى أن الصَّرُورَة إذا نوى