قد وقع باطلا لأمره باستئنافه، ولم يكن هناك حجة ولا تلبية صحيحة تجعل عن نفسه، ولو انعقد عن الغير لم يجز نقله عنه؛ لأن الحج الواقع لشخص لا يجوز نقله إلى غيره، كما لو لبى عن أجنبي، ثم أراد نقله إلى أبيه.
وأيضا فإن الإحرام ينعقد مع الصحة والفساد، وينعقد مطلقا ومجهولا ومعلقا، فجاز أن يقع عن غيره ويكون عن نفسه، وهذا لأن إحرامه عن الغير باطل لأجل النهي عنه، والنهي يقتضي الفساد، وبطلان صفة الإحرام لا يوجب بطلان أصله؛ لأنه لا يقع إلا لازما، فيكون كأنه قد عقده مطلقا، ولو عقده مطلقا أجزأ عن نفسه بلا تردد».
ثم قال ابن تيمية (٤/ ١٧٣ - ط عطاآت العلم): «الفصل الثاني: إذا كان عليه فرض ونفل لم يجز أن يحرم إلا بالفرض، وإن كان عليه فرضان لم يجز أن يبدأ إلا بأوكدهما، فإذا كان عليه حجة الإسلام ونذر بدأ بحجة الإسلام، … ، هذا هو المنصوص عنه في مواضع.
وذكر بعض أصحابنا رواية أخرى أنه يجوز أن يبدأ بالنفل قبل الفرض، وبالنذر قبل حجة الإسلام تخريجا من المسألة قبلها، ومن جواز الابتداء بالنفل على إحدى الروايتين في الصوم والصلاة، ومن كونه قد نص على أن الفرض لا يجزي إلا بتعيين النية.
ووجه الأول: ما اعتمده أحمد من إجماع الصحابة ﵃، وقد سئل عمن حج في نذره ولم يكن حج حجة الإسلام، فقال: كان ابن عباس يقول: يجزئه عن حجة الإسلام، وقال ابن عمر: هذه حجة الإسلام أوف بنذرك. فقد اتفقا على أنه إذا نوى النذر لا بد أن يقع عن حجة الإسلام.
وأيضا ما تقدم من أن الحج واجب على الفور، أو أنه يتعين بشهود المشاعر، فإن مأخذ هذه المسألة والتي قبلها واحد.
وأيضا فإن الحج مدته طويلة، ولا يبلغ إلا بكلفة ومشقة، ولا يفعل في العام إلا مرة، ففي تقديم النفل على الفرض تغرير به وتفويت، بخلاف الصوم إن سلمناه، فعلى هذا إذا خالف ونوى النفل أو النذر ففيه روايتان منصوصتان:
إحداهما: أنه يقع عن حجة الإسلام، كما ذكره الشيخ، وهو اختيار أكثر أصحابنا. قال عبد الله: قلت لأبي: من نذر أن يحج وما حج حجة الإسلام، قال: لا يجزئه، يبدأ بفريضة الله، ثم يقضي ما أوجب على نفسه. واحتج بحديث ابن عمر ﵄ أن امرأة سألته، فقال: هذه حجة الإسلام، أوف بنذرك.
ومعنى قوله: لا يجزئه عنهما، بل تكون الأولى لحجة الإسلام وإن نوى النذر؛ لأنه احتج بحديث ابن عمر.
وقال مرة: قلت لأبي: من حج عن نذره ولم يكن حج حجة الإسلام، يجزئ عنه من حجة الإسلام؟ قال: كان ابن عباس يقول: يجزئه من حجة الإسلام، وقال ابن عمر: هذه حجة الإسلام أوف بنذرك.