فوجه الحجة: أن النبي ﷺ أمره أن يحج عن نفسه ثم يحج عن شُبْرمة، وستأتي بقية الألفاظ الدالة على أن تلك لم تجز عن شُبْرُمة، ولم يفصل بين أن يكون الحاج مستطيعاً واجداً للزاد والراحلة أو لا يكون، وترك الاستفصال والتفريق في حكاية الأحوال يدل على العموم.
وأيضاً فإن الحج واجب في أول سنة من سني الإمكان، فإذا أمكنه فعله عن نفسه لم يجز أن يفعله عن غيره؛ لأن الأول فرض، والثاني، نفل كمن عليه دين هو مطالب به، ومعه دراهم بقدره، لم يكن له أن يصرفها إلا إلى دينه، وكذلك كل ما احتاج إلى صرفه في واجب عنه فلم يكن له أن يفعله عن غيره.
وأيضاً فإنه إذا حضر المشاعر تعين الحج عليه، فلم يكن له أن يفعله عن غيره، كما لو حضر صف القتال فأراد أن يقاتل عن غيره، فعلى هذا إذا خالف وأحرم عن غيره ففيه روايتان ذكرهما كثير من أصحابنا:
إحداهما: ينعقد إحرامه عن نفسه، وعليه أن يعتقد أن ذلك الإحرام عن نفسه، فإن لم يعتقد ذلك حتى قضى الحج وقع عنه وأجزأ عن حجة الإسلام في حقه، ولم يقع عن الملبي عنه. وهذا قول الخرقي وأكثر أصحابنا.
والأخرى: يقع الإحرام باطلاً فلا يجزئ عنه ولا عن غيره، وهذا قول أبي بكر، وقدمه ابن أبي موسى. وقال أبو حفص العكبري: ينعقد الإحرام عن المحجوج عنه، ثم يقلبه الحاج عن نفسه.
ووجه هذين قوله ﷺ:«حج عن نفسك، ثم حج عن شُبْرُمة»، وقوله:«اجعل هذه عن نفسك، ثم حج عن شُبْرُمة»، وفي رواية للدارقطني حسنة:«لب عن نفسك، ثم لب عن شُبْرمة»، وفي رواية له:«إن كنت حججت عن نفسك فلب عنه، وإلا فاحجج عن نفسك». فإن هذا دليل على أنه يحتاج أن يلبي ويحج عن نفسه.
ثم قال أبو بكر: إحرامه عن غيره وقع باطلاً، وعن نفسه لم ينوه، وإنما لامرئ ما نوى، والإحرام لا يقع إلا عن أحدهما، فيقع باطلاً.
وقال أبو حفص: أمره بأن يجعلها عن نفسه دليل على انعقاد الإحرام، وذلك أن الإحرام في نفسه صحيح، وإنما اشتمل على صفة محرمة، فيجب عليه أن يزيلها كما لو أحرم في ثياب وعمامة، فإن لم يجعله عن نفسه البتة فقياس قوله: أنه لا يجزئ عنه ولا عن غيره.
ووجه الأول أن قوله:«فاجعل هذه عنك»؛ أي: اجعل هذه التلبية عنك، كما قد جاء مفسراً:«أيها الملبي عن فلان، لب عن نفسك، ثم عن فلان»، فعلم أن الحجة عن نفسه، إذ لو كان باطلاً لما صح ذلك. وقد روى الدارقطني:«هذه عنك، وحج عن شُبْرُمة». وإن كان الضمير عائداً إلى الحجة فقوله:«اجعل هذه عن نفسك»؛ أي: اعتقدها عن نفسك، وقوله:«حج عن نفسك»؛ أي: استدم الحج عن نفسك؛ لأنه لو كان الإحرام