قال: ثم جاءه رجل فقال: يا رسول الله! حلقت قبل أن أنحر، قال:«انْحَر، ولا حرج»، ثم أتاه آخر فقال: يا رسول الله! إني أفضت قبل أن أحلق، قال:«احلق أو قصر، ولا حرج»، ثم أتى البيت فطاف به، ثم أتى زمزم، فقال:«يا بني عبد المطلب، سقايتكم، ولولا أن يغلبكم الناس عليها، لنزعتُ بها».
قلت: وأحسب زيادة: «فوقف عليه، بعد إتيانه محسراً»؛ زيادة شاذة، لم يأت بها الحفاظ، والسياق لا يشهد لها، فإنه لما أتى محسراً أسرع السير، فقرع ناقته لكي تخب وتسرع في المسير؛ وهذا يبين أن الوقوف لم يكن هناك ما يستدعيه، والله أعلم.
ولفظ محمد بن المثنى [عند أبي يعلى (٥٤٤)]: وقف رسول الله ﷺ بعرفة، فقال:«هذه عرفة، وهذا الموقف، وعرفة كلها موقف»، ثم أفاض حين غابت الشمس، فأردف أسامة، وجعل يسير على هيئته، والناس يضربون يميناً وشمالاً، يلتفت إليهم، وهو يقول:«يا أيها الناس، عليكم بالسكينة»، ثم أتى جمعاً فصلى بهم الصلاتين جميعاً، فلما أصبح أتى قُزح، فوقف عليه، فقال:«هذا قُزَح، وهذا الموقف، وجمع كلها موقف»، ثم أفاض فلما انتهى إلى وادي محسّر؛ قرع ناقته، فخبَّت حتى جاز الوادي، وقف وأردف الفضل، ثم أتى الجمرة فرماها، ثم أتى المنحر، فقال:«هذا المنحر، ومنى كلها منحر».
واستفتته جارية من خثعم فقالت: إن أبي شيخ كبير قد أفند، وقد أدركته فريضة الله في الحج، فيجزئ أن أحج عنه؟، قال:«حجي عن أبيك»، ولوى عنق الفضل، فقال له العباس: لم لويت عنق ابن عمك؟ قال:«رأيت شاباً وشابةً فلم آمن الشيطان عليهما».
وآتى رجل، فقال: يا رسول الله! إني أفضت قبل أن أحلق؟ قال:«احلق أو قصر، ولا حرج»، وجاء رجل آخر فقال يا رسول الله! إني ذبحت قبل أن أرمي، قال:«ارم، ولا حرج»، ثم أتى البيت فطاف به، ثم أتى زمزم، فقال:«يا بني عبد المطلب، سقايتكم، لولا أن يغلبكم الناس لنزعتُ بها».
وبنحوه رواه المقدمي [عند البيهقي، لكنه فرقه على الأبواب]، ورواه ببعض أطرافه: بكار [عند الطحاوي]، أو يقال: إن المصنفين قد فرقوا هذا الحديث على الأبواب بحسب حاجتهم لموضع الشاهد منه.
جاء في بعض النسخ عند أبي يعلى في رواية ابن المثنى:«لا يلتفت»، وكذا وقع في رواية القواريري عنده، وكذا في رواية المقدمي عند البيهقي، فإما أن يقال بأنها غير محفوظة، أو تحمل على معنى الإعراض عن فعلهم، ثم أكد ذلك بإرشادهم إلى السكينة، ولكني أرجح الأول، وذلك لاحتمال كونها نشأت عن انتقال بصر الناسخ، فإن السياق هكذا:«يضربون يمينا وشمالا يلتفت»، فإذا فرغ الناسخ من كتابة شمالا، ثم عاد بصره إلى الكتاب؛ قرأ: لا يلتفت، فدخل على بصره: لا، من آخر كلمة شمالا، مع كلمة يلتفت، والله أعلم.
أخرجه الترمذي (٨٨٥)(٨٨٥ - ط التأصيل الثانية)(٢٣٧١/ ٢٣٢/ ٤ - مختصر الطوفي)، وأبو علي الطوسي في مستخرجه عليه «مختصر الأحكام»(٨١٠/ ١٢٣/ ٤)،