الناس بفسخ الحج، قال أبو جعفر:«وهذا القول انفرد به ابن عباس، كما انفرد بأشياء غيره». الرابع: أنه مخصوص بالصحابة دون من بعدهم، واحتج بحديث بلال بن الحارث، وقول أبي ذر، وقال: بأنه أصح الأقوال. قلت: بل أصح الأقوال: أن تخصيص الصحابة إنما كان بإلزامهم بالفسخ، والمتعة لمن لم يسق الهدي، وبقيت إباحة الفسخ لمن بعدهم، بدليل حديث جابر وابن عباس في قصة سراقة، حين سأل عن فسخ الحج إلى العمرة: عمرتنا هذه لعامنا هذا، أم لأبد؟ فكان الجواب:«بل لأبد الأبد»، فدخل في هذا الجواب أمران: جواز العمرة في أشهر الحج، وإباحة الفسخ لمن قدم مكة مفرداً أو قارناً ولم يسق الهدي، ولا يثبت حديث صحيح صريح في المنع منه، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
وقال الخطابي في أعلام الحديث (٢/ ٨٥٨) بعد ذكر حديث بلال بن الحارث: «وعلى هذا قول أكثر أهل العلم، وقالوا: إن المحرم بالحج إذا أفسد إحرامه مضى فيه مع الفساد، وكانت عليه الفدية؛ إلا أحمد ابن حنبل، فإن أبا عبد الله [كذا] الأثرم حكى عنه: أنه كان يضعف حديث الحارث بن بلال بن الحارث، ويقول: ليس الحارث بن بلال بمعروف، ولم نسمع أن أحداً روى عنه غير ربيعة، وليس يُردُّ الأحاديث الصحاح بهذا، وقد روى فسخ الحج جماعة منهم: ابن عباس، وجابر، وأنس، وعائشة، وحفصة، وأسماء بنت أبي بكر، والبراء بن عازب، وكان أحمد يجيز ذلك لغيرهم من الناس».
وقال في المعالم (٢/ ١٧٠): «قد قيل إن الفسخ إنما وقع إلى العمرة لأنهم كانوا يحرمون العمرة في أشهر الحج ولا يستبيحونها فيها، ففسخ رسول الله ﷺ الحج عليهم، وأمرهم بالعمرة في زمان الحج، ليزولوا عن سنة الجاهلية، وليتمسكوا بما سن لهم في الإسلام، وقد بين النبي ﷺ أنه ليس لمن بعدهم ممن أحرم بالحج أن يفسخه، وقد اتفق عوام أهل العلم على أنه إذا فسد حجه مضى فيه مع الفساد».
قلت: لم يثبت حديث صحيح صريح في المنع من الفسخ، وحديث بلال بن الحارث وحديث عبد الله بن هلال: منكران، قد عارضا حديث جابر وابن عباس في قصة سراقة، وأئمة الحديث والنقد مثل الإمام أحمد، أدرى بما تعل به الأحاديث، وأعلم بوجوه ردها من غيرهم، ومن ذا الذي صحح حديث بلال من أئمة النقاد.
وقال ابن بطال في شرح البخاري (٤/ ٢٥١): «ولم يجز فسخ الحج أحد من الصحابة إلا ابن عباس، وتابعه أحمد بن حنبل وأهل الظاهر، وهو شذوذ من القول، والجمهور الذين لا يجوز عليهم تحريف التأويل هم الحجة التي يلزم اتباعها».
قلت: بل الذي يلزم اتباعه هو السنة الصحيحة، ولا قول لأحد بعد قول النبي ﷺ:«بل للأبد الأبد»، وقد كان أبو موسى الأشعري يفتي بفسخ الحج إلى عمرة، في عهد أبي بكر الصديق، وزمناً من خلافة عمر، فما منعه أحد، فهل يقال: كان ذلك إجماعاً على وجوب الفسخ! ثم نقض هذا الإجماع لما منعه عمر من ذلك لرأي رآه! ونحن لا نقول