وأما قول من قال: معناه لم تحلل من العمرة التي أمرت الناس بها؛ ففاسد، فإنه كيف يحل من عمرة غيره؟ وحفصة أجل من أن تسأل هذا السؤال.
وأما قول من قال: إن هذه اللفظة غير محفوظة، ولم يذكرها عبيد الله، فخطأ من وجهين؛ أحدهما: أن مالكا قد ذكرها، ومالك مالك. والثاني: أن عبيد الله نفسه قد ذكرها أيضا، ذكره مسلم في الصحيح، عن محمد بن المثنى: حدثنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله، فذكر الحديث، وفيه:«ولم تحلل من عمرتك».
وقول من قال: مروية بالمعنى بعيد أيضا.
فالوجه الأخير أقربها إلى الصواب؛ وهو أنه ليس فيه إلا الإخبار عن كونه في عمرة، وهذا لا ينفي أن يكون في حجة.
وأجود منه أن يقال: المراد بالعمرة المتعة، وقد تقدم أن التمتع يراد به القرآن، والعمرة تطلق على التمتع، فيكون المراد لم تحلل من قرانك، وسمته عمرة، كما يسمى تمتعا، وهذه لغة الصحابة كما تقدم، والله أعلم».
وانظر أيضا ما تعقب به العراقي في طرح التثريب (٥/ ٣٦).
وقال ابن كثير في البداية (٧/ ٤٨٢): «فهذا الحديث فيه: أن رسول الله ﷺ كان متلبسا بعمرة، ولم يحلل منها، وقد علم بما تقدم من أحاديث الإفراد أنه كان قد أهل بحج أيضا، فدل مجموع ذلك أنه قارن، مع ما سلف من رواية من صرح بذلك. والله أعلم».
وقال أيضا في البداية (٧/ ٤٤٩): «ومن زعم أنه إنما منعه من التحلل سوق الهدي؛ كما قد يفهم من حديث ابن عمر عن حفصة؛ أنها قالت: يا رسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال: «إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر»، فقولهم بعيد؛ لأن الأحاديث الواردة في إثبات القران ترد هذا القول، وتأبى كونه ﵊ إنما أهل أولا بعمرة ثم بعد سعيه بالصفا والمروة أهل بالحج، فإن هذا على هذه الصفة لم ينقله أحد بإسناد صحيح، بل ولا حسن، ولا ضعيف».
وقد تعقب العراقي في طرح التثريب (٥/ ٣٦) كثيرا من الأقوال الضعيفة بحسن بيان، وأجاد فيه وأفاد، وكان مما قال:«إن قلت: إذا كان الراجح أنه ﵊ كان قارنا؛ فلم رجح المالكية والشافعية الإفراد على القران وغيره؟ قلت: أجاب عن ذلك النووي في شرح المهذب، بأن ترجيح الإفراد لأنه ﵊ اختاره أولا، وإنما أدخل عليه العمرة لمصلحة، وهي بيان جواز الاعتمار في أشهر الحج، وكانت العرب تعتقده من أفجر الفجور»، ومن فوائده قوله في آخرها:«العاشرة: يجوز في قولها: ولم تحل، وفي قوله: فلا أحل؛ فتح أوله وضمه، على أنه ثلاثي ورباعي، وهما لغتان فيه، والفتح أوفق، لقولها: حلوا».
وممن تناول هذه التأويلات المتعلقة بهذه اللفظة:«من عمرتك» بالتحليل والرد والنقض ابن حجر في الفتح (٣/ ٤٢٧)، وكان مما قال: فلا حجة فيه لمن تمسك بأنه ﷺ