﴿﴾ يا رسول الله! ما بال الناس قد حلوا من عمرتهم، ولم تحل من عمرتك؟ فقال: «إني لبّدت رأسي، وقلّدت هديي، فلا أحل حتى أنحر».
دليلنا: أنه متمتع أكمل أفعال العمرة، فكان له التحلل، كما لو لم يكن معه هدي.
وأما حديث حفصة: فلا حجة فيه؛ لأنه كان مفرداً عندنا، وقارناً عندهم، ولم يكن متمتعاً، بدليل ما روى جابر: أن النبي ﷺ قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة، ومحال أن يكون متمتعاً، ويتأسف على العمرة.
وأما معنى قول حفصة: ما بال الناس قد حلوا من عمرتهم، ولم تحل أنت من عمرتك؛ فمعناه: لم يحل بعمرة، كما حل الناس من حجهم بعمرة؛ لأن النبي ﷺ كان قد فسخ الحج على من لم يكن معه هدي من الصحابة؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن الاعتمار في أشهر الحج لا يجوز، فأمرهم بالفسخ؛ ليبين لهم الجواز».
وقال أبو العباس القرطبي في المفهم (٣/ ٣٥٤): «وقول حفصة: إن النبي ﷺ أمر أزواجه أن يحلّلن عام حجة الوداع؛ إنما فعل ذلك ﷺ ليسوي بينهن وبين من لم يسق الهدي من الناس؛ الذين أهلوا بالحج؛ لأن أزواجه ﷺ لم يسقن الهدي».
وقال النووي في شرح مسلم (٨/ ٢١١): «وهذا دليل للمذهب الصحيح المختار الذي قدمناه واضحاً بدلائله في الأبواب السابقة مرات: أن النبي ﷺ كان قارناً في حجة الوداع، فقولها: من عمرتك؛ أي العمرة المضمومة إلى الحج، وفيه: أن القارن لا يتحلل بالطواف والسعي، ولا بد له في تحلله من الوقوف بعرفات والرمي والحلق والطواف، كما في الحاج المفرد، وقد تأوله من يقول بالإفراد تأويلات ضعيفة، … »، ثم ساق كلام ابن بطال ومن تبعه، ثم قال: «وكل هذا ضعيف، والصحيح ما سبق».
وقال ابن القيم في زاد المعاد (٢/ ١٣٦ - ط عطاءات العلم): «وهذا يدل على أنه كان في عمرة معها حج، وأنه لا يحل من العمرة حتى يحل من الحج. وهذا على أصل مالك والشافعي ألزم؛ لأن المعتمر عمرة مفردة لا يمنعه عندهما الهدي من التحلل، وإنما يمنعه عمرة القرآن، فالحديث على أصلهما نص».
وذكر ابن القيم في تهذيب السنن (١/ ٣٢٦ - ط عطاءات العلم) بعض الأقوال السابقة، ثم رد عليها، فقال: «وهذه الوجوه بعضها واه، وبعضها مقارب، فقول من قال: المراد به: من حجتك؛ بعيد جداً، إذ لا يعبر بالعمرة عن الحج، وليس هذا عرف الشرع، ولا يطلق ذلك إلا إطلاقاً مقيداً، فيقال: هي الحج الأصغر.
وقول من قال: إنها ظنت أنه ﷺ كان فسخ العمرة، كما أمر أصحابه، ولم يحل كما أحلوا، فبعيد جداً، فإن هذا الظن إنما كان يظهر بإحلاله، فبه يكون معتمراً، فكيف تظن أنه قد فسخ بعمرة، وهي تراه لم يحل؟
وأما قول من قال: معناه لم تحلل بعمرة، و «من» بمعنى الباء، فتعسف ظاهر، وإضافة العمرة إليه تدل على أنها عمرة مختصة به هو فيها.