وقال أبو حنيفة: إذا ساق المعتمر في أشهر الحج هدياً، وهو يريد المتعة لم ينحره إلا بمنى، وطاف وسعى، وأقام إحراماً، ولا يحل منه شيء، ولا يحلق ولا يقصر؛ لأنه ساق معه الهدي، فمحله محل الهدي لا يحل حتى ينحر الهدي. قالوا: ولو لم يسق الهدي كان له أن يحل من عمرته، واحتجوا بحديث حفصة أيضاً: ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت من عمرتك؟ فلم ينكر عليها قولها، وقال لها:«إني قلدت هديي، ولبدت رأسي، فلا أحل حتى أحل من الهدي».
وحجة مالك والشافعي ومن قال بقولهما: ظاهر قول الله تعالي: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ومعلوم أنه لا يكون متمتعاً بالعمرة إلى الحج إلا من حل من إحرامه، وتمتع بالإحلال إلى أن يحرم لحجه يوم التروية.
وأما هدي القرآن: فإنه مانع من الإحلال والفسخ عند جمهور السلف والخلف؛ إلا ابن عباس، وتابعته فرقة: إذا لم يسق الهدي جاز له فسخ الحج في العمرة … .
وقد أوضحنا أن فسخ الحج خصوص لهم بالآثار المروية في ذلك، وعلى هذا لقول الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وبالله التوفيق.
وهدي القران يمنع من الإحلال عند جماعة فقهاء الأمصار وجمهور أهل العلم، فالأولى بمن يرون الإنصاف ألا يشكوا في حديث حفصة هذا؛ أنه دال على أن رسول الله ﷺ كان قارناً، مع ما يشهد له من حديث أنس وغيره؛ أنه كان قارناً، وقد ذكرناها في باب القران.
قلت: الذين أفردوا الحج وكانوا ساقوا الهدي مع النبي ﷺ هم داخلون في عموم قوله ﷺ:
الذي رواه عقيل بن خالد، عن ابن شهاب عن سالم؛ أن ابن عمر، قال: … ، كان من الناس من أهدى فساق الهدي، ومنهم من لم يُهدِ، فلما قدم النبي ﷺ مكة، قال للناس:«من كان منكم أهدى، فإنه لا يحل لشيء حرم منه، حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى، فليطف بالبيت، وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليُهدِ، فمن لم يجد هدياً، فليصم ثلاثة أيام في الحج، وسبعةً إذا رجع إلى أهله» … الحديث [أخرجه البخاري (١٦٩١)، ومسلم (١٢٢٧)].
وقوله:«من كان منكم أهدى، فإنه لا يحل لشيء حرم منه، حتى يقضي حجه»؛ يدخل فيه المفرد والقارن ممن ساق الهدي.
وقد سبق أن سقت كلام بعض أهل العلم في ذلك، ومنه:
قال البيهقي في الصغرى (٢/ ١٩٤) بعد حديث الزهري عن عروة عن عائشة: «إنما أرادت: طافوا طوافاً واحداً بين الصفا والمروة، وذلك بين في الحديث الذي ذكرنا، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: لم يطف النبي ﷺ ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً؛ طوافه الأول. وإنما أراد الذين أهلوا بالحج أو جمعوا الحج والعمرة، وهم الذين كان معهم الهدي بدليل حديث عائشة».