واحد منهم إلى الأصح عنده بمبلغ اجتهاده، فصار مالك إلى تفضيل الإفراد على التمتع وعلى القران لوجوه منها: أنه روي ذلك أيضاً عن عائشة من وجوه، فكانت تلك الوجوه أولى عنده من حديث حفصة هذا، ومنها: أنه الثابت في حديث جابر عن النبي ﷺ، ومنها: أنه اختيار أبي بكر وعمر وعثمان، ومنها: أن ذلك أتم، ولذلك لم يحتج فيه إلى جبر شيء بدم، ومنها: من جهة النظر حجج لمخالفة معارضها بمثلها من جهة النظر، أيضاً: ليس بنا حاجة ههنا إلى ذكر شيء منها، وذهب غيره إلى أن التمتع أفضل؛ لآثار رووها عن النبي ﷺ أنه تمتع، وكان ابن عمر يذهب إلى التمتع ويزعم أن رسول الله ﷺ تمتع في حجته، وكان ابن عمر من أعلم الصحابة بالحج، وذهب آخرون إلى أن رسول الله ﷺ قرن بين الحج والعمرة في حجته لآثار رووها صحاح عندهم أيضاً بذلك، والآثار في التمتع والقرآن كثيرة جداً، وقد ذكرنا منها في باب ابن شهاب عن عروة من كتابنا هذا ما فيه كفاية، وفي باب نافع أيضاً ما فيه شفاء، وما أعلم أحداً في قديم الدهر ولا حديثه رد حديث حفصة هذا بأن قال: إن مالكاً انفرد منه بقوله: «ولم تحل أنت من عمرتك»؛ إلا هذا الرجل، والله يغفر لنا وله برحمته … »، ثم أسند حديث يحيى بن سعيد عن عبيد الله بن عمر، ثم قال:«فهذا عبيد الله بن عمر، وهو من أثبت الناس في نافع، قد قال كما قال مالك سواء، وهو أمر مجتمع عليه في القارن أنه لا يحل حتى يحل منهما جميعاً بآخر عمل الحج».
واحتج القدوري في التجريد (٤/ ١٧٦٠)، بحديث حفصة هذا على: أن الهدي يمنع التحلل.
وقال ابن بطال في شرح البخاري (٤/ ٢٤٨): «وأما حديث حفصة، وقولها: «ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك»، فإنه يوهم أنه ﵇ أهل بعمرة وأنه تمتع؛ لأن الإحلال كان لمن تمتع، فهو توهم فاسد، وذكر عمرتك في هذا الحديث وتركها سواء؛ لأن المأمورين بالحل هم المحرمون بالحج ليفسخوه في عمرة، ويستحيل أن يأمر بذلك المحرمين بعمرة؛ لأن المعتمر يحل بالطواف والسعي والحلاق، لا شك في ذلك عندهم، وقد اعتمروا مع رسول الله ﷺ عُمَراً، وعرفوا حكم العمرة في الشريعة، فلم يكن يعرفهم بشيء في علمهم، بل عرفهم بما أحل الله لهم في عامهم ذلك من فسخ الحج في عمرة؛ لما أنكروه من جواز العمرة في زمن الحج.
وللعلماء في قول حفصة:«ما شأن الناس حلوا ولم تحل من عمرتك؟»؛ ضروب من التأويل، فقال بعضهم: إنما قالت له ذلك؛ لأنها ظنت أنه ﵇ كان فسخ حجه في عمرة، كما أمر بذلك من لا هدي معه من أصحابه وهم الأكثر، فذكر لها ﵇ العلة المانعة من الفسخ، وهي سوقه للهدي، فبان أن الأمر ليس كما ظنته. وقيل: معناه: ما شأن الناس حلوا من إحرامهم، ولم تحل أنت من إحرامك الذي ابتدأته معهم بنية واحدة، بدليل قوله: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة»، فعلم بهذا أنه