فلا أدري ممن أتعجب؟! من المسئول الذي استحيا أن يقول: لا أدري! أو من السائل الذي قنع بمثل هذا الجواب والله المستعان. وهذه اللفظة قد قالها عن نافع جماعة، منهم: مالك، وعبيد الله بن عمر، وأيوب السختياني، وهؤلاء حفاظ أصحاب نافع، والحجة فيه على من خالفهم.
ورواه ابن جريج عن نافع، فلم يقل: من عمرتك، … ، ثم أسنده من طريق:
محمد بن يحيى بن أبي عمر، قال: حدثنا هشام بن سليمان وعبد المجيد، عن ابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر قال: حدثتني حفصة؛ أن النبي ﵇ أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع، قالت حفصة: فقلت: ما يمنعك أن تحل؟ قال:«إني قلدت هديي، ولبدت رأسي، فلا أحل حتى أنحر هديي».
ثم قال أبو عمر ابن عبد البر:«قد علم كلُّ ذي علم بالحديث؛ أن مالكاً في نافع وغيره زيادته مقبولة، لموضعه من الحفظ والإتقان والتثبت، ولو زاد هذه اللفظة مالك وحده لكانت زيادته مقبولة؛ لفقهه وفهمه وحفظه وإتقانه، وكذلك كل عدل حافظ، فكيف وقد تابعه من ذكرنا؟ ولكن المسئول لما رأى حديث حفصة هذا يوجب أن النبي ﵇ كان متمتعاً في حجته أو قارناً، ولا بد من إحدى هاتين الحالتين على حديث حفصة هذا، وعرف أن مالكاً كان يذهب إلى أن رسول الله ﷺ كان مفرداً في حجته تلك، لحديثه عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، ولحديثه عن أبي الأسود وابن شهاب جميعاً عن عروة عن عائشة؛ أن رسول الله ﷺ أفرد الحج؛ دفع حديث حفصة بما لا وجه له، وزعم أن مالكاً انفرد بقوله: ولم تحل أنت من عمرتك».
قال أبو عمر: فلم ينفرد بها مالك، ولو انفرد بها ما نسب أحد إليه الوهم فيها؛ لأنها لفظة لا يدفعها أصل، ولا نظر من أصل ولو جوز له أن يدفع حديث حفصة هذا بمثل ذلك من خطل القول، كيف كان يصنع في أحاديث التمتع كلها، التي روي فيها أن رسول الله ﷺ كان في حجته متمتعاً، وفي أحاديث القرآن التي صرحت أو دلت على أن رسول الله ﷺ كان يومئذ قارناً، وهي كلها آثار صحاح ثابتة، قد أخرجها البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم. قال أبو عمر: الذي عليه أهل العلم فيما اختلف من الآثار المصير إلى أقوى ما رووه، وكان أثبت عندهم من جهة النقل والمعنى، وأشبه بالأصول المجتمع عليها، هذا إذا تعارضت الآثار في محظور ومباح، ولم يقم دليل على نسخ شيء منها، ولم يمكن ترتيب بعضها على بعض، فكيف والأحاديث في القرآن والإفراد والتمتع لم يختلف إلا في وجوه مباحة كلها، لا يختلف العلماء في ذلك ولا أحد من الأمة بأن الإفراد والتمتع والقران كل ذلك مباح بالسنة الثابتة المتواترة النقل وبإجماع العلماء، وإنما اختلفت الآثار واختلف العلماء فيما كان به رسول الله ﷺ محرماً في خاصة نفسه، وهذا لا يضر جهله لما وصفنا، ولما لم يكن لأحد من العلماء سبيل إلى الأخذ بكل ما تعارض وتدافع من الآثار في هذا الباب، ولم يكن بد من المصير إلى وجه واحد منها صار كل