وهذا مرسل بإسناد صحيح [تقدم تخريجه تحت الحديث رقم (١٧٨٩)].
أقوال الفقهاء، فيما يستفاد من حديث حفصة:
قال الشافعي في اختلاف الحديث (٣٢٢): «فإن قيل: فما قول حفصة للنبي ﷺ: ما بال الناس حلوا ولم تحلل من عمرتك؟ قيل: أكثر الناس لم يكن معه هدي، وكانت حفصة معهم، فأمروا أن يجعلوا إحرامهم عمرة ويحلوا، فقالت: لم حلَّ الناس ولم تحلَّ من عمرتك؟ تعني: من إحرامك الذي ابتدأته، وهم بنية واحدة، قال ﵇: «لبدت رأسي، وقلّدت هديي، فلا أحل حتى أنحر بدني [كذا وقع بدني، ولعلها: هديي]، يعني - والله أعلم -: حتى يحلَّ الحاج؛ لأن القضاء نزل عليه أن يجعل من كان معه هدي إحرامه حجاً، وهذا من سعة لسان العرب الذي تكاد تعرف ما الجواب فيه».
وممن نقله عن الشافعي: الماوردي في الحاوي (٤/ ٤٧). والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ١٣). وفي المعرفة (٧/ ٧٤/ ٩٣٤٠). وابن الملقن في التوضيح (١١/ ١٩٣).
قلت: قد دلت الدلائل القوية فيما سقناه في موضعه [بعد استيفاء طرق حديث عائشة، قبل الحديث رقم (١٧٨٥)]: أن النبي ﷺ كان قارناً، وأن كل من ساق الهدي سواء كان قارناً أم مفرداً؛ فإنه لم يحل من إحرامه حتى رمى جمرة العقبة يوم النحر، والله أعلم.
وقال أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ (١/ ١٧٠): «فقد صحت الأخبار عن رسول الله ﷺ بفسخ الحج إلى العمرة بعد الطواف إلا من ساق الهدي، ثم روي عن الخلفاء بعده أنهم كانوا يقيمون على إحرامهم إلى يوم النحر».
وقال أبو جعفر النحاس في الناسخ والمنسوخ (١٤٣): وهذا يبين أنه كان قارناً، لأنه لو كان متمتعاً أو مفرداً لم يمتنع من نحر الهدي».
وقال الخطابي في المعالم (٢/ ١٦١): «وأما من روى أنه تمتع بالعمرة إلى الحج؛ فإنه قد أثبت ما حكته عائشة من إحرامه بالحج، وأثبت ما رواه أنس من العمرة والحج؛ إلا أنه أفاد الزيادة في البيان والتمييز بين الفعلين بإيقاعهما في زمانين، وهو ما روته حفصة»، … فذكره ثم قال:«فثبت أنه كان هناك عمرة؛ إلا أنه أدخل عليها الحج قبل أن يقضي شيئاً من عمل العمرة، فصار في حكم القارن، وهذه الروايات على اختلافها في الظاهر؛ ليس فيها تكاذب ولا تهاتر، والتوفيق بينهما ممكن، وهو سهل الخروج غير متعذر، والحمد لله».
وقال في المعالم (٢/ ١٦٩) أيضاً: «قلت: هذا يبين لك أنه قد كانت هناك عمرة، ولكنه قد أدخل عليها حجة، وصار بذلك قارناً، وهذه الأخبار كلها مؤتلفة غير مختلفة على الوجه الذي ذكرناه ورتبناها، ولم يختلف الناس في أن إدخال الحج على العمرة جائز ما لم يفتتح الطواف بالبيت للعمرة.
واختلفوا في إدخال العمرة على الحج، فقال مالك والشافعي: لا يدخل عمرة على الحج، وقال أصحاب الرأي: إذا أدخل العمرة على الحج صار قارناً».