الحديث، ومن هنا جاء قول الصبي: وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي، يعني: لما أخبروه أن يبدأ بالحج والعمرة قبل الجهاد، فليس في هذا دلالة على إيجاب العمرة، إذ الجهاد الذي كان يتطلبه الصبي حينئذ لم يكن فرضاً عليه، بل كان من نوافل الطاعات، والعمرة كذلك، مع ضعف دلالة اقترانها بفريضة الحج، وأما إقرار عمر له على قوله، وعدم إنكاره عليه، فلعل عمر سمع منه تفصيل القصة، وعلم حاله في ذلك فسكت عن الإنكار للمعنى السابق ذكره، وأما قول عمر: هُدِيتَ لسنة نبيك؛ فهو بيان من عمر أن النبي ﷺ كان في حجة الوداع قارناً، وأنك قد وافقته في ذلك؛ لا أن أفضل الأنساك هو القرآن، كما بين ذلك الشافعي وأحمد، يعني: أن القران هو من سنة النبي ﷺ، كما هو الإفراد والتمتع، ويزيد عليه أن النبي ﷺ قد حج قارناً، فوافقت أنت فعله، والله أعلم.
وقال الطحاوي في شرح المعاني (٢/ ١٤٤): «فقال الذين أنكروا القرآن: إنما قول عمر ﵁: هديت لسنة نبيك؛ على الدعاء منه، له لا على تصويبه إياه في فعله، فكان من الحجة عليهم في ذلك، مما يدل على أن ذلك لم يكن من عمر على جهة الدعاء، … »، ثم أسند حديث الأعمش، قال: حدثني شقيق قال: حدثني الصبي بن معبد، … فذكر الحديث، وفي آخره: فقال: إنهما لم يقولا شيئاً، هديت لسنة نبيك. فقال:«فدل قوله: هديت لسنة نبيك، بعد قوله: إنهما لم يقولا شيئاً؛ أن ذلك كان منه على التصويب منه، لا على الدعاء».
وقال الطحاوي في أحكام القرآن (٢/ ٢١٥): «وكذلك ما خاطب به عمر بن الخطاب الصبي بن معبد في قوله: وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي، وترك عمر الإنكار عليه، ليس لأن عمر جعل وجوب العمرة كوجوب الحج، ولكن على أنه جعل ذلك واجباً كوجوب الجهاد على المسلمين»، ثم احتج في ذلك بما ثبت عن عمر، أنه قال:«إذا حللتم السروج فشدوا الرحال للحج والعمرة، فإنها أحد الجهادين»؛ ثم قال:«أفلا ترى أن عمر بن الخطاب ﵁ قد قرن العمرة بالحج، وقال: «فشدوا الرحال للحج والعمرة»، ثم قال:«فإنها أحد الجهادين»، فشبهها خاصة بالجهاد الذي حكمه كما قد ذكرناه فيه من سقوط فرضه عن جميع الناس بقيام الخاص منهم».
وقال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن (١/ ٣٣٢): «وأما قول صبي بن معبد لعمر: وجدت الحج والعمرة مكتوبين عليّ، وسكوت عمر عنه، وتركه النكير عليه؛ فإنه إنما قال: هما مكتوبان عليَّ، ولما يقل مكتوبتان على الناس، فظاهره يقتضي أن يكون نذرهما، فصارا مكتوبين عليه بالنذر، وأيضاً فإنه إنما قاله تأويل منه للآية، وفيه مساغ للتأويل، فلم ينكره عمر لاحتمالها له، وهو بمنزلة قول القائل بوجوب العمرة، فلا يستحقون النكير إذ كان الاجتهاد سائغاً فيه».
وقال ابن حزم في حجة الوداع (ص ٣٩٧): «فإن قيل: المحفوظ عن عمر أنه كان ينكر القرآن، قيل: المحفوظ عن عمر أنه قال للصبي بن معبد إذ قرن بين الحج والعمرة: هديت لسنة نبيك ﷺ»